سورة الزمر
بسم الله الرّحمن الرّحيم
١ ، ٣ ـ (تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣))
[الزمر : ١ ، ٣]
الإخلاص عمود الدين ، وهو البوابة إلى الحقيقة والمدخل وقال ابن مسعود رضي الله عنه : سألت رسول الله صلىاللهعليهوسلم أي الذنب أعظم؟ فقال : (أن تجعل لله ندا وهو خلقك).
والإخلاص أن تخلص لله الدين وذلك بأن لا ترى في الوجود ظاهرا وباطنا سواه ، والإخلاص تنظيف السريرة ، وما العبادات المفروضة سوى وسيلة لتحقيق هذه النظافة وذلك عن طريق صرف النظر عن الحسيات الطاغيات ، إلا ما كان منها خالصا لله من المعقولات الشريفة ، وما أنزل الله هذا الدين وكل دين إلا ليميز الخبيث من الطيب ، فيكون من الخبيث على حذر ، وليأكل من الطيب ، فيصير في قلبه عسلا فيه شفاء لصاحبه وللمؤمنين.
وما دام الوجود كله صورا ، فهذه الصور هي الطاغية ، إذا لم ير الإنسان إلا صورا ميتة أمامه ، فصدق بها ، وآمن بها ، واستسلم إليها واجتباها ، ولما كانت الحسيات مثل أمواج البحر ، يتبع بعضها بعضا ، ولما كانت مثل ماء البحر إذا شربه الإنسان ازداد عطشا ، كان الإيواء إلى هذا البيت كالمستجير من الرمضاء بالنار ، وقال صلىاللهعليهوسلم : (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك) ، ونضيف العالم معها أيضا ، ولا سبيل إلى النجاة من هذا الشرك سوى اتباع الهدى الإلهي الذي يسر الإنسان لليسرى ، فأفضت اليسرى إلى بوابة الحقيقة.
٤ ـ (لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤))
[الزمر : ٤]
قوله سبحانه : (لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ) يعني أنه كان يصطفى من صفاته نفسها ، أي من ملائكته ومعقولاته ، إذ أنها هي الأشرف والأبهى والأقرب إلى الله ، كما قال إبليس الذي كان ريئسا للملائكة ، متباهيا (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [الأعراف : ١٢] ، فالمعقول وهو شعاع من النور الشريف أقرب إلى الله من الحس الكثيف ، وكان الأقرب إلى المعقول أن يختار سبحانه من معقولاته أشرفها وأبهاها فيجعلها ولدا له ، سبحانه هو الكبير المتعال ، لا
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
