وسبق أن قلنا أن لو لا الإنسان كيف كان للمعقولات أن تمارس دورها وأين؟ فالإنسان سبب لخلق المعقولات ، وهي واسطة لتحقق استخلافه في الوجود ، ولهذا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم. أما فسوق إبليس فله نكتة ، فلقد سبق أن قلنا إن إبليس فسق عن أمر ربه ، وقلنا إن العبد الصالح قال لموسى وما فعلته عن أمري ، فها هنا النكتة ، إذ لما كان سبحانه القاهر والفاعل على انفراد ، وله المشيئة والقدرة والاختيار ، كان ما يقع في السموات والأرض بإذنه بل وبأمره.
ولإبليس دور ، ولفسوقه دور ، ولهذا الدور أجل وميقات معلوم ، فمتى استوفى إبليس أجله المقدر انتهى دوره كمحرك للتناقض والتضاد فإبليس في القبضة وتحت القهر ، حاشاه سبحانه أن يخرج أحد عليه ، ولهذا استأذن إبليس ربه قائلا فأنظرني إلى يوم يبعثون ، قال الحلاج : إبليس قد عصى لأن الله شاء ألا يطيع ، فهو قد ضحى بنفسه في سبيل تنفيذ المشيئة قائلا إن سجدت سقطت عن بساط الفتوة ، وفرعون أغرق في اليم ، ولم يرجع عن دعواه لأنه لم يقر بالوساطة ألبتة.
والبعث قسمان معجل ومؤجل ، فالمعجل للسالكين الذين هاجهم إبليس ، فانطلقوا من سجن العالم المادي مهاجرين إلى الله عارجين في سموات المعقولات حتى أتاهم اليقين ، ومجيء اليقين هو الوقت المعلوم الذي ورد ذكره في الآية الواحدة والثمانين ، فالموحدون فريق من الناس هداهم ربهم ، وأيقظهم من سبات أهل الكهف ، وبعثهم من مرقد الحس والبدن ، وكانت قيامتهم المعجلة ، فأسرعوا إلى الله خفافا ، والموحدون هم الذين نجوا من طغيان إبليس الذي قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ، فإبليس يغوي الناس أجمعين ، وهو واع دوره هذا ، إلا أن لله ، رجالا خلصا كملا نجاهم ربهم من الإغواء الحسي والفكري ، وجعلهم مرايا للروح الأمين ، يعرجون بالسر وفي السر حتى يبلغوا العرش العظيم.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
