كنا قد تحدثنا عن الولد وكونه إشارة إلى الولادة المعنوية الروحية لداود بعد أن دخل الخلوة ، وعاش الكشف والذوق والعرفان ، ولما تحقق داود بهذا نظر إلى النفوس من حوله ، ومنها نفسه ذاتها ، فشغل بها ، إذ تسمى هذه النفوس النفس الحيوانية ، ورمز إليها بالصافنات الجياد ، وكنا قد ذكرنا كيف تكني العرب ، وما قاله الوراق في تفسير النعاج.
فالموحد مدعو بصوت ذاتي هو اليقين إلى طي أرض الأجساد وسماء المعقولات والتوجه إلى الواحد الأحد ، وعدم الانتباه إلى ما سواه ، وهذا ما فعله داود عند ما شغل بالكثرة عن الوحدة حتى توارت بالحجاب ، وهي الشمس ، والإشارة إلى الذات الكلية المتوارية بالحجاب كما قال صلىاللهعليهوسلم في حديث الحجب ، وعند ما انتبه سليمان مما هو فيه جعل يقطع أعناق الخيل وأرجلها ، والإشارة إلى إسقاط الكثرة حكما وإبراز الواحد حكما ، لأن هذه الأعداد لا وجود لها إلا بالواحد ، وهي مضاعفاته ليس غير.
٣٤ ، ٣٥ ـ (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥))
[ص : ٣٤ ، ٣٥]
فتنة عليهالسلام سليمان كانت أنه تزوج بامرأة كانت تعبد الصنم من غير علمه في داره ، والإشارة إلى عبادة النفس المتوجهة بدورها إلى عبادة الصور والكثرة ، ولقد ترك سليمان خاتمه لدى امرأته لقضاء حاجته ، والإشارة إلى سر التوحيد الذي يحمل الموحد بذوره معه منذ نفخ الروح فيه وهو في بطن أمه ، ثم يهبط إلى عالم الحسيات الممثل في المرأة ، والناس لا يعرفون العارف بعد أن يعرف ، بل يعرفونه شخصا مثلهم يأكل مما يأكلون ، ويشرب مما يشربون ، فإذا خرج عليهم العارف بعلمه أنكروه ، وهذا ما حدث لسليمان الذي خرج إلى الناس يقول لهم ها أنذا ، ولكن جنيا سبقه ، وأخذ الخاتم من امرأته ، وخرج إلى الناس في صورة سليمان ، والإشارة إلى ما يفعله المعقول إذ يلبس الجسد ، ويخرج إلى الناس على أنه إنسان ، وماله من جوهر الإنسانية شيء ، لأن الإنسانية ممثلة الإنسان الكامل الواحد في النوع والجوهر والماهية ، والذي هو حامل ختم المعقولات والصور لا بديل له.
فسليمان عليهالسلام من دون خاتم التوحيد لا دور له ، وهو بالخاتم وحده ملك مؤيد مظفر ، كما تكون الأنبياء والأولياء ، ولقد كان ملك سليمان عظيما ، وأوتي من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، وسخر الله له الشياطين تبني له وتغوص .. والإشارات كلها إلى الإنسان الكامل الذي تعين كما تعينت حقيقة محمد في ظهوره ، فإذا العالم كله طوع أمره ، وإذا باطن العالم من المعقولات يؤيده ، وتفعل له المعقولات ما يريد من رفع قواعد الصفات الإلهية الظاهرة في صور العالم نفسه.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
