ومع هذا فإن أسلوبها يختلف عن أسلوب القرآن ، إذ أن النبي قال هذه الأحاديث بعد أن بلغ عين الجمع ، وقال ما قال عن الله وبالله وباعتباره قد صار ترجمان الله ولسان حاله والمعبر عن مشيئته ، وهناك الأسلوب النبوي الثالث وهو الحديث الشريف ، وهو كلام النبي نفسه أو فعله ، وأسلوبه يختلف أيضا عن أسلوب القرآن والأحاديث القدسية ، وقالت العلماء لو كان النبي نفسه مؤلف القرآن والحديث القدسي والحديث الشريف لما تنوعت الأساليب ، إذ من المعروف أن للإنسان الخلاق أسلوبه المميز ، وأسلوبه لا يتغير ولا يتبدل ، ولهذا يقال أسلوب شيكسبير وأسلوب ديكنز وأسلوب تولستوي ، والنقاد قادرون على معرفة المؤلف بمجرد الاطلاع على شيء من إنتاجه ، وفي عالم الفن تميز النقاد أسلوب كل فنان بمجرد رؤية لوحة من لوحاته مثل دافنتشي ورامبرانت ورينوار ، وفان غوغ.
وعلى هذا يكون النبي قد حقق معجزة في مجال الخلق الفني لأنه أتى بثلاثة أساليب ، يختلف الواحد منها عن الاخر ، مما يثبت بصورة لا تقبل الجدل ولا النقض أن ما أتى به النبي هو من عند الله عند ما قال القرآن ، ومن عنده عند ما قال الحديث.
٧٠ ـ (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠))
[يس : ٧٠]
فرقت الآية بين فريقين ، وسمّت الفريق الأول الأحياء وسمت الفريق الآخر الكافرين ، فالمؤمن حي والكافر ميت ، وسر ذلك أن المؤمن يرى بنور ربه ، ونور ربه يبلغه اليقين الذي مشى به المسيح على الماء ، أي نجا من طوفان هيولى عالم العناصر واستوى على جبل الجودي حيث العلم والسكينة والراحة بعد المجاهدة.
والآية تنذر الأحياء أي المؤمنين ، وللإنذار رقيقة ، ذلك أن الإيمان درجات ذكرها الله في القرآن ، إذ قال مثلا : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات : ١٤] ، كما أن الإيمان دون الإحسان الذي هو اليقين كما قال سبحانه : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)) [الحجر : ٩٩] ، فالآية تحفز المؤمن على متابعة هجرته إلى الله حتى يبلغه ويعرفه.
٧١ ، ٧٧ ـ (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧))
[يس : ٧١ ، ٧٧]
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
