أما القرآن فهو وحي الروح الخالص ، وقلنا إن لغة الروح هي الموسيقى الكونية التي هي الإيقاع التناغمي الكائن بين المخلوقات القائمة بالأعداد التي اكتشفها الفيثاغوريون وقدسوها ، وقلنا إن الموسيقى مبنية على أساس الأعداد المثالية ، فمن جهة فالأعداد المثالية هي قواعد الوجود من جهة ، وهي أساس الموسيقى الرابطة بين الموجودات الحية من جهة أخرى ، وعلى هذا فللقرآن وقعه الخاص في النفوس ، وقلنا إن فيه موسيقى الكلمات وموسيقى الحروف ، وفيه أيضا موسيقى روحية هي التي تؤثر في الأرواح وتناجيها ، فإذا كان في الشعر السلب والإيجاب ، وكان من الشعراء ملائكة وشياطين ، فإن القرآن هو إيجاب خالص ، وهو صوت جبريل الذي له أجنحة تحمل الوجود كله.
وثمت رقيقة في قوله سبحانه : (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ) ألا وهي أن الله خص النبي بوحي القرآن ، وما كان للنبي صلىاللهعليهوسلم أن يقول من القرآن إلا ما ينزل عليه ، ولقد حدث أن كان الوحي يتلبث ويبطئ عن النبي ، وعند ما سئل عن الروح لم يستطع أن يجيب ، وانتظر الوحي حتى نزل عليه قائلا : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (٨٥)) [الإسراء : ٨٥] ، وكذلك حدث في حديث الإفك الذي أثير حول عائشة ، فلو أن الحق علم نبيه الشعر لكان النبي قادرا على أن يقول شعرا من عنده كما تفعل الشعراء عادة ، ولكنه سبحانه أراد أن يكون وحي القرآن خالصا له ، ليس فيه من البشرية شيء كما يكون للشعر ، ولهذا كان للقرآن جوه ولغته وجمله وكلماته وتشابيهه وموسيقاه وقصصه وأمثاله ومعالجته للقضايا وحلها ، وكان ثم جو للآيات المدنية ، وآخر للآيات المكية ، ولم تستطع فحول الشعراء أن يجاروا هذا الإعجاز اللغوي البياني رغم كونهم أرباب الخطابة والفصاحة والبلاغة ، ولقد تحداهم سبحانه بقوله : (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ).
وما يزال القرآن يزداد على مر القرون عظمة وقيمة ، وما زال يتحدى الناس قديما وحديثا أن يجاروه ، وكذلك كان في هذا الكتاب من كل شيء موعظة ومثل ، بحيث نهل الناهلون ، وورد الواردون شرقا وغربا ومن كل الأمم والأديان ، فما نضب منه معين ، وما زال يوحي إلى دارسيه ، وما زالت الكتب التي كتبت عنه والدراسات التي أجريت لما جاء فيه تزداد مع مرور الزمان ، وما من كتاب في الأرض وفي التاريخ احتل مكانة ، وطبع وانتشر ودرس وحفظ مثل هذا الكتاب الإلهي العظيم الكريم المجيد.
وبالقرآن وحده احتل الرسول مكانته الخالدة في التاريخ ، وبما أوحى الله فيه إليه كان الرسول نفسه مثلا أعلى في الفصاحة والبلاغة ، ومع هذا فلقد ميزت العلماء النقاد ثلاثة أساليب لكلام الرسول ، أولها القرآن نفسه ، وثانيها الأحاديث القدسية وتلي القرآن مرتبة ،
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
