٦٧ ـ (وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧))
[يس : ٦٧]
المسخ رد القلب إلى النفس الأمارة وجعله في قبضتها وهي ذات القوى الغضبية والشهوية ، قال جلال الدين الرومي : العقل الذي يفر من عقل العقول ينتقل من مرتبة العقل إلى مرتبة الحيوان ، وقال سبحانه : (هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) [الفرقان : ٤٤].
٦٨ ـ (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨))
[يس : ٦٨]
النكس قلبي ونفسي ، فالنفسي المتعلق بالنفس المادية التي هي صورة الجسد فلا انفكاك لها عنه ، ولا وجود لها إلا به كما قال أرسطو. ومن يعمر نفسيا ينكس في الخلق أي يرتد ضعيفا كما بدأ ، والسبب أن النفس ميزان الجسم ، ولما كان أصحاب النفوس المادية أسرى الزمان والمكان ، وهذا حال الناس الغارقين في اللذات ، السادرين في ضلالة العالم الحسي ، حتى إذا ضعف الجسد وانهاروا هم معه ، إذ لا تمتد أعينهم إلى أبعد من عطاياه ، فإذا غارت مياهه فمن يأتيهم بماء معين؟ ويلح أصحاب النفس المادية على أن تأتيهم أجسادهم بلذات جديدة ويستعينون بالمنشطات من الأدوية والأغذية لتقوية ما قد ضعف ولكن هيهات.
أما النكس القلبي فخاص بالعارفين ، وسببه انكشاف الأمر ومعرفة السر القلبي الذي يجد الإنسان فيه أناه هباء منثورا ، قال أبو العباس السياري : ليس في المشاهدة لذة ، لأن المشاهدة فناء لا لذة فيه ولا التذاذ ولا حظ ولا احتظاظ ، فالنكس القلبي على مستوى الأنية تضحية بالأنية وتسليم بأن الله هو الهوية ، وما الإنسان إلا خيال وشبح ووهم وسراب ، ومع هذا فلهؤلاء العوض كما قال عبد الكريم الجيلي.
٦٩ ـ (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩))
[يس : ٦٩]
ثمت فرق بين القرآن والشعر ، فالشعر قد يكون مصدره الشعور والوجدان ، ولهذا سمي شعرا ، وقد يكون مصدره العقل كما حين يريد الشاعر أن يمدح أحدا من الناس فينظم الشعر في مناقبه ، وقد يجعل فيه ما ليس موجودا ، وقد يبالغ كثيرا ، وقد يفعل النقيض تماما عند ما يريد أن يهجو أحدا ، فيرميه بما لا يتصف به ، ويعيب عليه ما ليس فيه ، فهذا شعر صادر عن الفكر والإرادة ، فالشعر ضروب منه الجميل ومنه القبيح ، ومنه الرفيع ومنه الوضيع ومنه المتكلف ، ومنه الصادر عن السجية والعفوية ، وقال سبحانه : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً).
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
