ظهر بمحمد عليهالسلام ، هذه الدورة هي زمن جريان شمس الذات في عالم الصفات ، إلى أن استقرت فانكشفت في حقيقة الإنسان الكامل.
٣٩ ـ (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩))
[يس : ٣٩]
في كتابنا الإنسان الكبير بينا كيف قدر سبحانه القمر حتى عاد كالعرجون القديم ، فالقمر النفس الكلية مرآة الله عاكسة أنواره ، والتي تعمل عملها في النفوس الجزئية ، فتجعل منها أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقين الموحدين الذين يمثلون في انكشاف حقيقتهم القمر وقد بلغ ليلة البدر ، وجعلنا في كتابنا المذكور الوجود الإنساني دائرة لها نصفان شمالي وجنوبي ، وجعلنا لكل نصف نصفين ، ثم قلنا إن نصف الدائرة الشمالي هو تسعة وتسعون اسما من أسماء الله من أحصاها دخل الجنة.
فإحصاء الأسماء ، أي تحقيق إمكاناتها ، وإخراج قواها ، عملية تقوم بها النفس على شاشات النفوس الجزئية ، ثم تصطفي من هذه النفوس قمرا تجعله يبلغ ليلة بدر التمام ، فيظهر الله بذلك القمر ، وينطق صاحبه بالحكمة الإلهية ، بعد أن يعلم العلم اللدني ، ويصير ترجمان الوحي الإلهي ، ثم يتابع هذا القمر دوراته فينقص حتى يعود هلالا شبهه الله بالعرجون القديم ، والإشارة إلى الضعف الذي يصير إليه العارف الوارث بعد أن يتحقق بفنائه وزواله وكونه مرآة تعكس أنوار الواحد القهار ، قال سبحانه : (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) [النّحل : ٧٠].
٤٠ ـ (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠))
[يس : ٤٠]
الشمس فاعل ، والقمر قابل ، ولقد رميت الصوفية بالحلول لما قالوا إن وجود الإنسان هو وجود الله ، والحقيقة أنهم رفعوا شعار لا إله إلا الله ، مبينين حقيقة هذا الشعار وفحواه ، فما في هذا الوجود إلا شمس الذات الإلهية من جهة وقمر الذات الإنسانية من جهة أخرى ، ومتى كان القمر شمسا ، وكيف بوسعه أن يقوم مقامها ويفعل فعلها؟ والعلم الحديث اكتشف أن الأجرام كلها ذات أصل واحد هو السديم الذري الأول ، وسميناه الذر اللطيف والنور اللطيف ، وسمته العلماء الطاقة اللطيفة ، فالقمر إذن صادر عن الشمس ، قائم بها ، يجري في فلكه الخاص الذي هو فلكها ، إذ النظام الشمسي يشمل الكواكب السيارة ومعها أقمارها ، كذلك الحال بالنسبة إلى الذات الإلهية والذات الإنسانية ، فما الإنسان إلا مظهر لله ، ولهذا سبحانه إنه هو الظاهر وأضاف إبن عربي : هو الظاهر بالمظاهر ، والآية تؤكد الفارق بين الشمس والقمر ، وبين الليل والنهار ، وشعار لا إله إلا الله يعني أن الظهور إلهي ، وإن اتخذ
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
