المظهر البشري ، وفي كتبنا السابقة شرحنا وكشفنا كيف يكون الإنسان وسيلة للظهور ، فعند انكشاف حقيقة الاسم الظاهر تفنى هذه المظاهر ولا يبقى إلا الأحد القاهر.
٤١ ـ (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١))
[يس : ٤١]
تحدثنا من قبل عن الفلك المشحون أي المملوء ، والحقيقة أن العالم كله مشحون بما شحن به الفلك ، أي المعقولات جند الله المتصرفة في الجماد والنبات والحيوان وفي قلب الإنسان ، فليس ثمت سوى مليك مقتدر وجند له يفعلون ما يشاء وبأمره.
٤٢ ـ (وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢))
[يس : ٤٢]
المثل الذي يركبه الإنسان جسده ، فلئن كانت المعقولات ، أي اسم الله الباطن ، تحمل الإنسان من باطنه ، فإن جسده الذي هو من اسم الله الظاهر ، يحمله من ظاهره ، والعارفون عرفوا هذا ذوقا فقالوا إلى الله ترجع الأمور ، وما نحن إلا أدوات للظهور.
٤٣ ـ (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣))
[يس : ٤٣]
الغرق يتم عن طريق جنود الاسم ، ولهذا كان لكل من أسمائه تعينات تظهر به ، وتخضع له ، وهذا الخضوع هو نتيجة القهر والمكر ، وهو تحقيق المشيئة الإلهية التي لها الأمر.
٤٤ ، ٤٦ ـ (إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦))
[يس : ٤٤ ، ٤٦]
ما دام الناس مظاهر الأسماء فهم كلهم غرقى إلا من رحم الله منهم ، ولقد بينا كيف يكون الإنسان سجين اسمه ، ما دام هو محل الإلهام لا غير ، فالتابع يتبع المتبوع.
٤٧ ، ٥٠ ـ (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠))
[يس : ٤٧ ، ٥٠]
الإنفاق معرفة النفس وسرها وردها إلى الله مولاها ، كما ضحى إبراهيم عليهالسلام بولده ، لأن النفس وديعة إلهية لدى الإنسان ، وليست هي الإنسان ، فإذا ردها إلى بارئها رحم ، وتتحقق الرحمة من طريق النفوذ من أقطار سموات المعقولات وأرض المحسوسات إلى رحاب الله حيث لا زمان ولا مكان ولا صفات ، قال البسطامي لما سمع حديث رسول الله : لا صباح عند ربكم ولا مساء : وأنا أيضا لا صبح لي ولا مساء ، لأن الصبح والمساء من صنع الصفة ، وأنا لا صفة لي.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
