ومعظم الناس عباد صور ، وإن كان فيهم العابد والزاهد والمتوكل والحاج والمصلي ، سأل الحلاج إبراهيم الخواص : فيم أنت الآن؟ قال أدور في البراري لأصحح مقامي في التوكل ، فقال الحلاج : أفنيت عمرك في عمران باطنك ، فأين الفناء في التوحيد؟
فما دام الإنسان ينظر إلى الصور ، صور الناس وصور الطبيعة وصور الأسباب ظاهرة وباطنة فهو محجوب ، وهو كله شرك خفي كما قال الشيخ أرسلان الدمشقي ، والتوحيد النفاذ بسلطان كما قال سبحانه : (لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ) [الرّحمن : ٣٣] ، فإذا نفذ كشف ، وإذا كشف عرف ، وإذا عرف رغب عن عبادة الصور ، كما رغب عنها حبيب النجار الذي قال : وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ، أأتخذ من دونه آلهة؟
والجنة التي دخلها صاحب ياسين هي سوق الجنة التي ورد ذكرها في الحديث الشريف ، فالصور هنا صارت لله وبالله ، وكم يرى الناس في مناماتهم من صور وفي يقظتهم ، وقال الإمام جعفر الصادق : إن الله تجلى لعباده في المنام ولكن لا يعبرون ، فالموحد هو الذي عرف ماهية الصور ، ونفذ من الماهية إلى الهوية ، وصار عارفا بالله ، يقرأ حروف معادلات الصور التي ترتب ترتيبا علميا بحيث يقرؤها العارف المعبر كما يقرأ كتابا ، فيزداد علما إلى علمه ، ونورا إلى نوره ، ويحظى برضى الله ، ويقول كما قال حبيب النجار : (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)).
٢٨ ـ (وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨))
[يس : ٢٨]
ليس بعد علم الصور علم آخر ، فالله جعل الصور طريقا إلى الجنة ووسيلة لمعرفته سبحانه ، فإذا ظل الإنسان محجوبا بالصور عن ماهية الصور بقي جاهلا يعيش في الجاهلية ، أما من عرف فلقد أوتي ما أوتي أفلاطون الذي كشف حقيقة كهف العالم فخرج منه فارا إلى الله.
والصور أسماء ، والأسماء خواطر ، والخواطر جنة السماء ، ولهذا كانت جنود الله من الملائكة معنا وفينا فاعلين ، فإذا جهل الناس هذه الحقيقة فلن يهتدوا إذا أبدا وعاشوا كالبهم والأنعام بل أضل سبيلا.
٢٩ ، ٣١ ـ (إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١))
[يس : ٢٩ ، ٣١]
الصيحة معجلة ومؤجلة ، أما المعجلة فتأخذ العارفين في الكشف إذ يرون الناس جميعا لدى الله محضرين ، لا يستطيعون شيئا وهم به قائمون ، والمؤجلة العودة إلى عالم الذر بعد
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
