مع قانون السببية ، وما دام الإختيار نفسه قضية مفتوحة لا يمكن التنبؤ ينتيجتها مسبقا كما هو الحال مع قانون العلية ، فالإنسان قد يختار حلا ما ، وقد يختار نقيضه ، وهذا ما يتنافى مع قانون السببية الذي لا يقبل الاختيار ، ولا القرار المناقض لقراره ، وانتهى كانط إلى إعلان إفلاسه أمام هذه العقدة قائلا : الحرية الإنسانية سر من الأسرار.
وسبق أن قلنا إن ابن سينا قال : في كل متعين متعين ومطلق غير متعين ، وقال هيغل : في الموجودات الحية يتكون الجزئي من جزئي وكلي ، فالكلي القوام والأساس ، والجزئي مجال نشاط الكلي ومظهر لصفات النفس الكلية ، فهو هي ، وهو النور ، المضاف أو النور المعار كما سماه السهروردي وهو المتناهي بالنسبة إلى اللامتعين ، وهو الحد أو الكيف أو التعين كما قال هيغل الذي وصف الجزئي بأنه في حالة مباشرة في هوية مع الوجود ، وعني هيغل بالوجود الوجود الأصيل أو الروح ، وقال أيضا التعين الخاص يتحد مع وجود الشيء في هوية واحدة بحيث يصبح هو نفسه وجوده ، بل وتصبح معرفة هذا الشيء بدونه أمرا محالا.
فالإنسان الجزئي هو إذن صفة إلهية متعينة تظهر صاحب الصفات ، وهو لو لاها ما ظهر ، وهي من دونه ما كانت ، وما قامت ، وما فعلت ، ولا ذهبت ذات اليمين وذات الشمال ، أما كونها متحدة مع الوجود في هوية واحدة فلأن قوامها النوراني هو من طبيعة النور الذاتي الإلهي نفسه ، فليس في الوجود إلا الأنوار ، وهذه خلاصة فلسفة السهروردي من الألف إلى الياء.
وأنشد ابن عربي :
|
فلولاه ولولانا |
|
لما كان الذي كانا |
|
فإنا أعبد حقا |
|
وإن الله مولانا |
|
وإنا عينه فاعلم |
|
إذا ما قلت إنسانا |
|
فلا تحجب بإنسان |
|
فقد أعطاك برهانا |
|
فكن حقا وكن خلقا |
|
تكن بالله رحمانا |
|
وغذ خلقه منه |
|
تكن روحا وريحانا |
|
فأعطيناه ما يبدو |
|
به فينا وأعطانا |
|
فصار الأمر مقسوما |
|
بإياه وإيانا |
فالإنسان إذن تعين صفات الله تعالى الذي خلقه خصيصا لإظهارها ، ولقد تحدثنا عن التناقض الذي يعيشه الإنسان ظاهرا وباطنا ، وتذبذبه بين الخواطر واختياره لقرار ما ، أما الصوفية فلقد رفعوا شعارا هو الإنسان مجبور في عين اختياره فلقد وجدوا له أصلا في كتاب الله وهو قوله تعالى : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) [القصص : ٦٨] ،
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
