وقالوا ما اسم موصول ، أي أن الله يختار الذي يختاره الإنسان ، أي أن حال التناقض والتردد واتخاذ القرار هي عملية إلهية ، وإن كانت تحدث في قلب الإنسان ، وتتم على يديه ، وأعلن الغزالي قائلا : انجزام الإرادة هو بأمر من الله ، أي أن الإنسان عند ما يتردد ، ثم يتخذ القرار فإن الله هو الذي جعله يتخذ هذا القرار.
وسبب كون الإنسان مجبور على الاختيار علاقة الصفة بالموصوف ، وقلنا في كتابنا النصوص في مصطلحات التصوف إن للإنسان عينا ، وإن لعينه هذه عينا أخرى ، أو قل إنسان العين كما يقال في اللغة ، وهذه العين الأخرى هي صاحبة القرار ، وهي الاسم ، وهي الصفة الإلهية ، وهي الكلي الحاكمة للجزئي ، وهي المطلق المحيط بالمتعين.
ولما كان الإنسان تعين الحد كما قال هيغل ، فهو لهذا حامل لهذا الحد أو الصفة ، وعليه فالمولود يولد مطبوعا بخاتم هو خاتم الصفة ، وهذا ما فصلنا الكلام فيه في كتابنا الإنسان الكبير ، وهذا هو معنى أن الإنسان مجبور على الاختيار ، ولهذا قال عليهالسلام في الغلام الذي قتله العبد الصالح إنه طبع كافرا.
فالقضية لم تعد مقصورة على تمييز الخبيث من الطيب كما قال سبحانه ، بل تعدتها إلى قضية إظهار الصفات الإلهية نفسها ، والتي لا يمكن أن تظهر ما لم تكن هناك صفات جميلة وصفات جليلة ، وما لم يكن هناك سلب وإيجاب ، وظلمات وأنوار ، فهذا ضروري لذاك ، وهو تتمة له ، ولولاه لا يتم ظهور الضروري والأصيل ، وهذا يفسر حديث الرسول عن القبضتين ، قبضة في الجنة ، وقبضة في النار ، قال عبد الكريم الجيلي : من الحسن إبراز جنس القبيح على قبحه لحفظ مرتبته من الوجود ، كما أن الحسن الإلهي أبرز جنس الحسن على وجه حسنه لحفظ مرتبته من الوجود ، وقال أيضا : القبح في الأشياء للاعتبار لا لنفس ذلك الشيء ، وقال : كما يجب ظهور اسمه المنعم كذلك يجب ظهور صفته المنتقم ، وأنشد أبو مدين :
|
لا تنكر الباطل في طوره |
|
فإنه بعض ظهوراته |
|
واعطه منه بمقداره |
|
حتى توفي حق إثباته |
|
فالحق قد يظهر في صورة |
|
ينكرها الجاهل في ذاته |
وقال ابن سينا الكافر باطل من وجه ، وحق من وجه ، لأن العالم مظهر إلهي ، وأن الكافر مظهر الاسم المضل ، كما أن المؤمن مظهر الاسم الهادي ، مع أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
وبعد فكيف يتم إظهار الصفة أو الحد بالتعين أي بالإنسان؟ قال هيغل الفكر يغلف الوعي الحسي ، ومن ثم فهو سابق عليه ، وعني هيغل بالفكر العقل الفعال ، أو الروح ، وعني بالوعي
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
