والأمر وللإنسان الكسب ، ولهذا ختمت الآية بالقول : (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ). فلو لا الله لفارق المعقول هذا الجسر الوجودي الإنساني ، فهوى الجسر في وادي الجسد فتحطم وضاع ، والله وحده يشد الإنسان إلى سماء المعقولات وذلك بطرح الأهداف والغايات التي يمد الإنسان إليها عينيه ، ومنها الظفر بحلي وحلل المعقولات نفسها ، فترى المجاهد يضحي بنفسه في سبيل الظفر بالشهادة ، وترى الكريم أحمق في ماله طمعا في الظفر بصفة الكرم.
٦٦ ـ (وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦))
[الحج : ٦٦]
الإحياء الأول وجود الإنسان في بدنه منذ يكون جنينا ينفخ فيه الروح والموت الأول الموت المعنوي للسالكين الذي يكتشفون بأنهم أضياف على أبدانهم ليس لهم من الأمر شيء ، والإحياء الثاني البقاء بعد الفناء ، ويقال له أيضا الفرق الثاني أو الصحو ، وفيه يستتم للمكاشف وجود آخر جديد هو الوجود الإلهي فيتنعم بعطايا الله وخلعه من الصفات الإلهية ، أنشد الحلاج قائلا :
|
أقتلوني يا ثقاتي |
|
إن في قتلي حياتي |
|
ومماتي في حياتي |
|
وحياتي في مماتي |
|
إن عندي محو ذاتي |
|
من أجلّ المكرمات |
|
وبقائي في صفاتي |
|
من قبيح السيئات |
وهذه الحقيقة مستورة عن بصر الإنسان حتى تفتح بصيرته ، فالإنسان ضائع ما لم يجد ربه ويتعرفه ، وما تخبط إنسان هذا القرن في متاهات الفلسفة ونظرياتها والمذاهب إلا بسبب وجود هذا الستار المرخى بينه وبين الله ، وترى فيلسوفا مثل شوبنهاور قد رد الحياة إلى إرادة عمياء مجنونة لا همّ لها إلا البقاء والمحافظة على هذا البقاء.
٦٧ ـ (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧))
[الحج : ٦٧]
المثل يقول كل الطرق تفضي إلى روما ، وذلك حين كانت روما عاصمة أكبر امبرطورية في العالم وقبلة كل الأنظار ، وفي الحج الإسلامي تفضي الطرق كلها إلى مكة ، والآية ذكرت بالمناسك ، ولكل أمة منسكها أي شريعتها ، وهي قد تطابق الشرائع الأخرى ، وقد تخالفها ، وقد تتفق معها في شيء أو أشياء وتخالفها كذلك ، ولكن هذه المناسك لله وهي تفضي جميعا إليه ... وهذا الإفضاء هو الحقيقة ، وتسمى الجمع أي الظهور الإلهي فكيفما كان الإنسان ،
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
