سواء ، ثم تفرد عن الحيوان بالفهم ، وهنا مر بمرحلة تجريد للمحسوسات نفسها ، وهذا فعل فاعل هو العقل الفعال الذي بدأ برسم المعقولات على شاشة العقل المادي فتطور حياة الإنسان من إنسان الغابة إلى إنسان القرية ، إلى إنسان المدينة ، إلى إنسان التجريد ، إلى الإنسان المتأله الذي هو ظهور الإنسان الكامل ، فلو لا الله وعقله الفعال ما تميز الإنسان عن الحيوان وتأنس.
٦٤ ـ (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤))
[الحج : ٦٤]
الله مليك سماء الروح والمعقولات وأرض الأبدان وهو غني عنها أيضا ، والسبب كونه الواجب بذاته والمتجوهر بذاته كما قال الفارابي ، والذي استتم له وجوده في نفسه ثم حصل منه وجود آخر تقوّم به كما قال السهروردي ، والذي هو مقصور بذاته فهو علة ذاته كما قال اسبينوزا ، والتعريفات تظهر أن الله هو الأول والآخر ، وأنه ليس كمثله شيء.
٦٥ ـ (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥))
[الحج : ٦٥]
جمع الإنسان بين أرض البدن وفلك المعقولات ، وعام في بحر الوجود المطلق باعتباره ظهورا للوجود المطلق ، ولهذا قال ابن عربي :
|
وتحسب أنك جرم صغير |
|
وفيك انطوى الفلك الأكبر |
والتسخير هو كون الإنسان الظهور الإلهي نفسه فاستفاد الوجود والعقل والعلم منه ، فلو لا البدن ما كان لفلك المعقول أن يكون ، فالبدن بمثابة خشب الفلك ، أو كما يقال في الفلسفة الهيولى الكلية ، ولو لا المعقول ما تعلم الإنسان شيئا عن طريق العقل الخالص نفسه ، فأعظم مخلوق استفاد من الله وجوده الحسي والعقلي هو الإنسان ، ولهذا فضل على بقية المخلوقات بل ورفع فوق الملائكة درجة فسجدت له لأنها ، وهي المعقولات ، ما كانت لتمارس دورها ، فشأن الإنسان عظيم ، وهذا معنى الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان وحده.
وقوله سبحانه : (وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ،) يعني صلة المعقول بالمحسوس نفسه ، وقالت الفلاسفة والصوفية إن النفس ليست في البدن بل هي مجاورة لا ملاصقة ولا مفارقة ولها الأمر والتدبير .. وهذا الخيط الرفيع بين المعقول والمحسوس هو الذي يمسك به الله كفاعل ويظهره الإنسان كحامل ومحمول ، والعملية كلها إلهية إذ لله الفعل
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
