عصا القدرة ، تبينت الخواطر أنها لا تعلم عن حقيقة الجسم شيئا ، وأنها ليست الجسم ، وليس هو هي ، فالخواطر ، وإن كان محل نشاطها الدماغ ، إلا أنها ليست الدماغ ، وما الدماغ إلا مصباح ينيره الشريط الكهربائي المتصل بالتيار العام ، فالدماغ آلة ، والكهرباء قوة وهي تولد الخواطر ، والكهرباء قوة من قوى الله ، قال أفلوطين : يجب أن أحجب عن نفسي النور الخارجي لكي أحيا وحدي في النور الداخلي ، وقال : إني ربما خلوت إلى نفسي ، وجعلت بدني جانبا ، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن ، فأكون داخلا في ذاتي ، راجعا إليها ، خارجا من سائر الأشياء فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا.
١٥ ـ (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥))
[سبأ : ١٥]
الجنتان عن يمين وشمال المعقولات وقد انقسمت إلى معقولات جمالية ومعقولات جلالية ، وجعل كلاهما جنة ، لأن الشر جزء من الخير ، ولا وجود له بذاته ، فهو بالخير يعرف ، والخير به يقوم ، وكلاهما شقيق الآخر.
والشكر معرفة ما وهب الله الإنسان ، وما خصه به من نعم وآلاء دون سائر المخلوقات.
١٦ ، ١٧ ـ (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧))
[سبأ : ١٦ ، ١٧]
سيل العرم نتيجة الغفلة عن أن المعقولات لله ، فكل من لم يرد الصفات والإلهام إلى الله فهو ضحية هذه الصفات وهذا الإلهام ولا يعلم ، ولا أدل على هذا من الأمراض التي تصيب المسلمين بخاصة الذين لم يرقوا إلى فلك الإيمان فالإحسان ، فأدواء هؤلاء العجب وإيثار الأنا وانتقاد الآخرين والتعصب الذميم.
١٨ ـ (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨))
[سبأ : ١٨]
الإشارة إلى ما بين المحجوبين والذين كشف عنهم الغطاء ، فثمت سالكون مخلصون على الطريق لا يريدون إلا مرضاة الله عزوجل ورؤيته والتنعم بعطاياه ، فلهؤلاء جعل الله في طريقهم واحات يفيئون إليها ويستريحون ويشربون ، كما هو الحال في مقامات الصوفية كالتوكل والزهد والرضا والمحبة.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
