رسوله أو نبيه يدخل الشيطان في هذا الوحي نفسه باعتبار الشيطنة وسوسة وصوتا خفيا ، والنتيجة حوار ، والقصد منه التنبيه على الانشطار الذاتي للأنا الخالصة ليكون منها الإبعاد ومنها التقريب ، فهو سبحانه الرافع الخافض ، المعز المذل ، المبعد المقرب ، وما الشيطان إلا وسيلة للتحريك كما بينا هذا من قبل.
وعند حلول اليقين ترفع الستارة عن سر التضاد فإذا الله خالق الشيطان وقاهر الشيطان ، وإذا هو الآخذ بناصيته فإنه لا إله إلا الله ، وهذا هو إحكام الله لآياته ، فيدمر من ثم الشيطان علما أنه كان موحدا وظل موحدا كما قال ابن عربي ، لكن دوره اقتضاه أن يمثل ما كتب عليه تمثيله إخراجا للمقتضيات ، قال الإمام النفري : لي من ربي مقام لا أمر فيه ولا نهي ، وذلك مقامي الذي أرى ربي فيه ، فلا يستطيعني ملك في ملكانيته ولا يستطيعني جن في جنيته.
٥٣ ـ (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣))
[الحج : ٥٣]
وسوسة الشيطان فتنة القلب المريض المحجوب الذي منع نور الهدى ، فعاش في ظلمات الحيرة ، والجهالة والأنانية والضياع ، فمن لم يجعل الله نورا فما له من نور ، وابن آدم مردود أسفل سافلين منذ أن يخلق ثم يعي ، وما لم تتلقفه يد ربه لتعيده إلى شفافيته وطهره وإيمانه فإنه يبقى أسير النفس الحيوانية ، سئل ديوجانيس : كم عبدا لك؟ فأجاب : بقدر أربابكم ، وعني الشهوة والغضب.
٥٤ ـ (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤))
[الحج : ٥٤]
الهدى يلي الهبوط إلى عالم الفساد كما بينا ، وللهبوط والصعود لطيفة ذلك أن النفس حين تعي أنها جاهلة ، وأنها وحيدة ، وأنها أسيرة الشهوة ، وأنها تعاني صراعا وتحيا جهادا ، ثم يأتيها نور اليقين تكتشف عندئذ جوهر الصراع والمجاهدة ، ومعنى كون الله في الضدية ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي يهدى إليه المؤمنون ولهذا تحدث النبي عن القرين الذي يلازم الإنسان أبدا ، إلا أنه بعد حلول اليقين يسلم هذا القرين أو يسلم صاحبه من أذاه بالعلم بحقيقته.
٥٥ ، ٥٧ ـ (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧))
[الحج : ٥٥ ، ٥٧]
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
