لا يؤمن الكافر بالله وبوجوده ولا بالأنبياء والوحي النبوي لأنه محجوب عن النور ، أو أن النور محجوب عنه ، والساعة التي تأتي بغتة هي ساعة موت نفس الكافر الجزئية وفيها يكشف النقاب عن الحقيقة ، فإذا وجه الله قد أسفر ، وإذا الشيطان خيال لا أصل ، وإذا الإنسان قد مثل دورا كتب عليه ، وإذا الملك اليوم لله الواحد القهار ، وإذا حديث القبضة حي ، فقبضة تنعيم أهل الهدى ، وقبضة شقاوة أهل الحجاب ، وكلا الفريقين ضرورة لملء فراغ دائرة الوجود العقلانية القائمة على التضاد وبالتضاد.
٥٨ ـ (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨))
[الحج : ٥٨]
الرزق الكشف ، ووصف بأنه حسن ، لأن الصفة تذكر بأسماء الله الحسنى ، والحسنى تأنيث صفة الحسن ، فالمهاجرون قتلوا أو ماتوا موتا معنويا علميا لهم هذا الرزق الحسن وهو علم الأسماء الذي علمه آدم ، ففاق ملائكة المعقولات مكانة ، واستوى على عرش الوجود العلمي خليفة الله في الأرض.
٥٩ ـ (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩))
[الحج : ٥٩]
قوله : (يَرْضَوْنَهُ ،) يعني الوصول إلى مقام الرضا ، وهو من مقامات الإحسان ، وأصله قوله تعالى : (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [المائدة : ١١٩] ، وفيه انكشاف سر الصفات العيسوي للسالك فإذا هو في الحضرة وفي النعيم حيث الحور العين اللواتي هن أم الصفات المعقولة ، أي الأعيان الثابتة أزواج المطهرين من العارفين العارجين الواصلين إلى سدرة المنتهى علما ومعرفة.
٦٠ ـ (ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠))
[الحج : ٦٠]
الآية تذكر بشعار المسيح عليهالسلام : (أحبوا أعداءكم ، باركوا لا عينكم) ، فهاهنا نداء بأن تضع الحرب أوزارها بعد القتال والجهاد ، والمؤمن المكاشف بسر الصفات مدعو لإلقاء السلاح نتيجة كشفه نفسه الذي يريه رأي البصيرة وبعين اليقين أن عدوه أخوه ولا يعلم ، وهذا ما قاله المسيح نفسه الذي تابع قائلا : (لأنهم إخوانكم).
فإذا أثار كافر مؤمنا بلغ مقام كشف الصفة فقاتله ، وأخرجه من دياره فيكون إخراجه من قبيل البغي عليه ، ولهذا اتصف محمد صلىاللهعليهوسلم بالعفو والحلم ، وهو الذي لما دخل مكة ، وجاره أهلها ، وجاءته هند : فقال : (أهند آكلة الكبد؟) ، إشارة إلى ما فعلته هند بحمزة عم الرسول لما أكلت كبده فقالت : أنبي وحقود؟ فذكرته وهي الجاهلة مقام الأنبياء وأخلاقهم ، فكان
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
