عددها الملايين لحنا خاصا يميزه عمن سواه وتعرفه أمه وتحفظه ، ومعلوم أن لكل إنسان صوته مثلما أن له وجهه وبصماته ، ففي الصوت سر الروح الأعظم الذي لا حد لإبداعه.
وأصل الكلام تقليد أصوات الحيوانات أو تقليد أصوات الأشياء ذاتها كأن يقال حفيف الأوراق وزفيف الريح ، وقد كتبت علماء اللغة في هذا الموضوع المجلدات ، واللغة مجموعة قواعد يتعلمها الإنسان بطرق شتى منها المجتمع والمدرسة ، ومعلوم أيضا أن هذه القواعد لم توضع إلا في مرحلة متأخرة من حياة الإنسان ، وأن أبا الأسود الدؤلي مثلا هو الذي بدأ في وضع قواعد اللغة العربية في عهد الإمام علي ، كما أن الخليل بن أحمد الفراهيدي صنف بحور الشعر العربي ، بينما كان السماع فقط هو المعتمد في حفظ القواعد والبحور. والقواعد وبحور الشعر مبنية على السماع لا العكس ، فلقد كانت الأعراب تحفظ السماع وتتوارثه حتى أنها لا تغلط ولا تلحن وكانت بعض القبائل بخاصة مشهورة بالفصاحة حتى أن علماء اللغة كانوا يقصدونها للسماع منها.
وبعد فما السماع؟
إن علماء الموسيقى يدرسون لغات الحيوانات التي هي موسيقى أيضا كصهيل الخيل وخوار البقر وعواء الذئب ونباح الكلب ، فهذه الأصوات ذات موسيقى خاصة لا يمكن مخالفتها وإلا لما فهم الذئب الذئب والهر الهر والمهر الفرس.
كذلك الإنسان لما تعلم تقليد الحيوانات تعلم بالتالي موسيقى جديدة ، هي موسيقى كل لغة من لغات الأرض ، فهذه اللغات بدأت التقليد ، ثم نمت بعد ذلك وتطورت عن طريق الحوار والدرس والتفكير ، فقام كل من الفكر والحدس في رفع قواعد بناء لغات العالم حتى بنيت هذه الصروح اللغوية من اللغات.
ولقد تحدثنا عن دور القرآن في حفظ اللغة العربية من الضياع والتحريف والعامية كما حدث لمعظم اللغات القديمة ، وكذلك دور الحديث الشريف ، ولما كان القرآن والحديث سابقين على الزمن الذي وضعت فيه قواعد اللغة ، ولما كان كل منهما وحيا يوحى من قبل الروح فالنتيجة أن الروح هو مصدر لغات الأرض بل والعالم بدآ من موسيقى الأفلاك ومرورا بأصوات الحيوانات إلى لغات البشر ، ولقد تبين بعد دراسة القرآن أن له موسيقى خاصة ، موسيقى الكلمات والجمل ، وموسيقى ذاتية تنفعل لها النفوس فتهتز وتطرب ، فما الموسيقى الذاتية أو الموسيقى النفسية؟
لنعد إلى الشعر الذي نظم وفق إيقاع خاص هو السماع ، وقلنا إن بحور الشعر لم تكتشف إلا في مرحلة متأخرة من وجود الشعر ، وأن الذي اكتشفها ، أو على الأصح وضعها وضعها
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
