البشرية الصورة الإلهية ، وإلا فالإنسان الترابي لا يمتاز عن غيره من المخلوقات ، ولكن الله فضله بتجليه له وإسباغه صفاته عليه.
٢١ ـ (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١))
[الروم : ٢١]
للآية بطنان ، الأول خلق الذكر والأنثى لعمران الأرض واستمرار الحياة ، والثاني خلق الإنسان من نفسين كما قال سبحانه : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) [الأعراف : ١٨٩] ، وهذا ما يسمى الشفع وأصله الوتر ، والغاية منه إحداث الحوار الذاتي في النفس المتألفة من فاعل ومنفعل ، أما الفاعل فهي الحقيقة المطلقة المسماة الهوية والتي تحوي الجواهر والمعقولات ، وأما المنفعل فهو تلقي المعلومات من الفاعل عن طريق الوحي والإلهام تحقيقا للقصد وهو تعليم الإنسان ، فالإنسان زوجان اثنان موجودان في هيكل واحد وهذا ما عبر عنه سبحانه في موضع آخر بقوله : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) [الذّاريات : ٤٩] أنشد الحلاج قائلا :
|
عجبت منك ومني |
|
يا منية المتمني |
|
أدنيتني منك حتى |
|
حسبت أنك إني |
|
وذبت في الوجد حتى |
|
أفنيتني بك عني |
٢٢ ـ (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢))
[الروم : ٢٢]
النطق هو ما يميز الإنسان من بقية المخلوقات ، والنطق صوت ، ولقد فصلنا الكلام في الصوت في كتابنا الإنسان الكبير قائلين إن الصوت موسيقى ، فتكون أصوات المخلوقات كلها موسيقى صادرة عن الروح الذي هو أصل الموسيقى باعتبار السلم الموسيقي يقوم على أسس عددية ، فالفواصل الموسيقية الرئيسية في السلم الموسيقي يمكن أن يعبر عنها في نسب من الأعداد الأربعة الأولى ، وهذه الأعداد مجتمعة تشكل العدد عشرة الذي كان له عند الفيثاغوريين دلالة مقدسة ، وقال الفيثاغوريون : لما كانت الموسيقى ذات قوة خاصة على الروح ، وهي التي تتخلل الكون ، فإن العالم كله لا بد أن يكون على نحو ما مؤلفا من العدد وعناصر العدد ، وبالتالي عناصر العالم هي العدد الزوجي ويمثل اللامحدود ، والعدد الفردي ويمثل الحد وقلنا إن الوطاويط عند ما تعود إلي الكهوف والغيران تهتدي إلى صغارها عن طريق زقزقتها ، أي أن الأم تميز فرخها من زقزقته ، أي أن لكل فرخ من تلك الأفراخ التي يبلغ
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
