القضاء المحكم والقضاء المبرم ، وقال في القضاء المبرم إنه قابل للنقض ، وإثباته أو نقضه هما من فعل الاختراع الإلهي.
والنظرة النبوية والصوفية إلى ما يقع من أحداث تبين أن لله في كل ما يفعله جكمة ، وهو أولا قاض يريد تحقيق مقاصد معينة لا نقض لها ، وهو حين بعث محمدا بالرسالة قضى مسبقا انتصار الإسلام على أيدي النبي صلىاللهعليهوسلم والصحابة ومن معهم من المسلمين المجاهدين.
ولقد حدث أن بشّر النبي صلىاللهعليهوسلم بفتح مكة ، فلما توجه إليها خرج للقائه المشركون ، ووقعت اتفاقية الحديبية وكان من شروطها أن يرجع النبي وجيشه فلا يدخلون مكة في ذلك العام ، فلما وافق النبي سأله عمر أما بشرتنا بدخول مكة؟ فأجاب ، أجل ، ولكني لم أقل هذا العام.
فجواب النبي شمل مفهومي القضاء والقدر جميعا ، فالقضاء قضى بدخول المسلمين مكة ، لكن الأحداث أجلت تحقيق ذلك ، فقبل النبي التأجيل وعاد بجيشه إلى المدينة ، وكان جوابه لعمر أن المسلمين سيدخلون مكة لكن ليس في ذلك العام.
فلسورة الروم موعظة عظيمة ألا وهي أن على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره ، فإذا وعد الله بنصره عبده ، وهو وعد على الله حق ، فإن على الإنسان السعي لتحقيق ذلك ، فإن حدث ما أعاق تحقيق القصد كان على المؤمن أن يتقبل النقض أيضا موقنا بأن الله هو الذي أراد النقض مثلما أراد في الأصل الإثبات.
وإيمان كهذا واسع عظيم لا يدع الإنسان يستسلم إلى اليأس ولا يدعه يقنط من الوعد الذي وعد ربه إياه ، فإذا سار الإنسان قدما فالله هو المحرك الدافع ، وإن ناور ذات اليمين وذات الشمال فالله هو الذي أراد هذه المناورة ، ولئن عاد فالله أراد هذه العودة ، فالواقع مسرح نشاط القدرة الإلهية إقداما وإحجاما مع الإيمان بأن الله وعد المؤمنين النصر ووعدهم الجنة ووعدهم استخلافهم في الأرض.
٨ ـ (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨))
[الروم : ٨]
التفكير في النفس الاستبطان ، وقال عليهالسلام : ساعة تفكر خير من سنة عبادة ، ففي النفس السر ، والناس في غفلة عنه محجوبون ، وعملية الاستبطان تكشف أن في النفس حوارا ، وأن الحوار دائم ، وأن النشاط الفكري دائم لا يمكن إيقافه ، والحوار النفسي أصله الروح ، ولهذا سمت الفلاسفة الروح العقل الفعال ، أي أن الفكر الذي هو عقل هو فعال ، أي فعال في الإنسان ، وما الإنسان إلا محل لهذا الفعل كما سبق لنا أن وصفنا الإنسان نفسه في
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
