أيضا ، إذ قوى الفكر له أيضا ، وهذا ما سمي في الفلسفة دور العقل الفعال الذي يجعل العقل الهيولاني عقلا بالفعل ، أي يعلمه عن طريق الحواس ظاهرة وباطنة ، وهو الذي يطبع الصور الخالصة فيه فعلم العلماء العمليين والنظريين هو بالله أيضا ، ولو لا الله ما احتل الإنسان مكانته العلمية بين المخلوقات .. كما أن العلم الإشراقي الذاتي هو لله بالله أيضا ، لأنه لو لا وجود المطلق العليم في المتعين ، ولو لا كون القلب عرش الله ، لما انفجرت ينابيع هذه العلوم في الذات فضاء القلب بها وتنور.
٦٤ ـ (وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤))
[العنكبوت : ٦٤]
كل ما فيه الإنسان من عمل وعلم وأمل هو لهو ولعب ، لأن حياة الإنسان أجل محدد ، وهي جسر منصوب بين المهد واللحد ، فأين سعي الساعين وأمل الآملين منذ عهد آدم وحتى زماننا هذا؟ وما معنى أن يستعمر الإنسان الأرض كلها ثم يرحل عنها عاريا كما ولدته أمه؟
ولهذا ألحت الآنبياء والعلماء على أن هدف الإنسان ليس استعمار الأرض والتمتع بالحياة الدنيا وزينتها والغرق في بحر اللذات ، فهذا أمر شارك الحيوان فيه الإنسان ، فالحيوان يأكل ويشرب وينكح ويبني ويسعى في تحصيل قوته .. بل إن على الإنسان أن يعرف نفسه ويعرف بالتالي ربه ، فإذا اهتدى بلغ الآخرة التي هي الحيوان ، أي الحياة الحقيقة ، حيث يبلغ الإنسان دار السّلام وبر السعادة والأمان فيحقق التوازن والانسجام بين ذاته والعالم وبين قلبه وربه.
٦٥ ، ٦٦ ـ (فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦))
[العنكبوت : ٦٥ ، ٦٦]
الفلك مجموعة المعقولات السابقة على الوجود الإنساني والتي يعتبر هو المظهر لها والحامل ، فباطنا المعقول حامل العاقل ، وظاهرا العاقل حامل المعقول.
ودعاء الله هو من قبيل اتباع العاقل للمعقول وهذا بدهي ما دمنا قد تحدثنا عن آلية التفكير ، وكيف يتردد الإنسان بين الأفكار ، ثم يختار القرار ، وقراره هو المعقول المطبوع به من قبل الله وهو في بطن أمه فالناس جميعا يدعون الله من حيث يدرون ولا يدرون ، إذ إتباع الموصوف الصفة هو إتباع الله ، لأن من تبع اسما لله أو صفة كان تابعا لله عبدا ، وهذا معنى كون الإنسان عبدا ، وفي اللغة العبد هو الإنسان.
وقوله سبحانه : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ) يعني تحقق الصفة عن طريق الموصوف نفسه ، أي خروج ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل ، فإذا الأسماء ظاهرة بالناس ، وإذا هي ظاهرة وظهورها
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
