والحقيقة أن هذا الشق الحادث بين الروح والنفس يقتضيه فض سرائر المعقولات من الأسماء ، فالأمر أشبه بحال أستاذ يحاول حل معادلة صعبة من وضعه هو ، قال شيلنغ الفيلسوف الألماني : العقل إدراك لذاته ، ومشاهدة ذاته ، وتصوير لذاته وتشكيل لذاته ، وإنتاج لذاته بذاته ، فالعقل موضوع نفسه. وقال الموضوع ليس معطى من الخارج ، بل هو فعل من أفعال العقل وبنشوء الموضوع ينشأ الوعي أو الشعور في نفس الوقت ، ومن الشعور بالموضوعات ينشأ شعور العقل بذاته ، ولهذا فإن الشعور الذاتي الكامل للعقل إنما يتم بأفعال العقل بوصفها تنشء موضوعات وتطور هذه الأحوال هي تاريخ الشعور الذاتي.
فالبعث هذا التحاق الجزئي بالنفس الكلية التي يضيء سراجها بزيت الروح الكلي فإذا النتيجة هذا الإشراق الإلهي الوجودي للكون كله.
وإذا الإنسان خالد ، أما من لم يبعث في أم نفسه رسولا من الروح يعلمه ويزكيه ويهديه فهو كالأنعام وموته كموت الأنعام ، قال الإمام الغزالي : من لم يسافر إلى عالم الملكوت ، وقعد به القصور في عالم الشهادة فهو بهيمة بعد محروم من خاصية الإنسان ، بل أضل من بهيمة ، وقال فيثاغورس : إذا فعلت الخير ثم فارقت هذا الهيكل كنت سائحا في الملكوت غير صائر إلى الأنسية ولا قابلا للموت.
٦٠ ـ (وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠))
[القصص : ٦٠]
قال كانط : للعقل مجال الظواهر ، وللأخلاق مجال الشيء في ذاته ، وهذا ما عبرت عنه الآية ، فكل ما يؤتاه الإنسان هو من قبل عقله سواء أكان ذلك الانطباعات الحسية أو الانشغال بقضاء الوطر من زينة الحياة الدنيا ، أو كان التجريدات العقلية كما هو حال الفلاسفة والعلماء البحاثة.
وقوله : (وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى) إشارة إلى العلم الصحيح الثابت ألا وهو العلم الإلهي فهذا من عند الله ، وصاحبه مستريح من الهم والغم والعناء كما قال سبحانه في موضع آخر : (أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) [يونس : ٦٢] ، وقال محمد إقبال : ترى فلاسفة بالألوف ورؤسهم مطمورة ، وصاحب الوحي وحده يتحرك ورأسه مرفوع ، وقال أيضا : العمل الذي ينجزه رجل الله له ألوان الثابت والخالد ، عمل رجل الله يزدهر بالحب ، فالحب نبع الحياة والموت لا يناله ، وقال ابن عربي في كلام العارف : يكون التنزل على صاحب الفتح من المرتبة التي نزل فيها القرآن خاصة ، فإن كلام الله لا يزال ينزل على
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
