اللغو الحديث عن غير التوحيد ، والعارف صامت ، وصمته أبلغ من كلامه ، فإذا تكلم ذكر الناس بأصلهم وفرعهم فأبان ، ونهى عن الغيبة ، لأن الغيبة من اللغو ، وتعريفها كما قال صلىاللهعليهوسلم : (ذكرك أخاك بما يكره) ، وكيف يغتاب إنسان إنسانا آخر ، وما الناس إلا مرايا الحق كما قلنا؟ ولهذا ختمت الآية بقول العارفين : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) فلا حقيقة في هذا الوجود الديالكتيكي إلا للسلام الذي هو باطن كل تناقض ، وهذا ما ألح على توكيده هيغل وبيان الدور الذي يلعبه النقيض.
٥٧ ـ (وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧))
[القصص : ٥٧]
التخطف من الأرض انتزاع الأنا من الإنسان وبقاؤه بلا أنا كما قال أبو إسحاق الصوفي ، والفناء مقام عظيم شديد لا يطيقه إلا أولو العزم من الرسل والأولياء ، ومع هذا فبقاء الإنسان بلا أنا يعني بقاؤه بالله صاحب الأنا العظمى ، وهكذا يستبدل الإنسان بأناه الجزئية أنا كبيرة خالدة عالمة مرشدة ترفع الإنسان من حضيض الناسوت إلى آفاق اللاهوت.
٥٨ ـ (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨))
[القصص : ٥٨]
قلنا القرية كناية عن البدن وقواه ، وقوله : (وَكَمْ أَهْلَكْنا) يعني هلاك كل قرية بطرت معيشتها ، أي أنكرت حق الله عليها وهو خالقها وبارئها ومصورها في الرحم كيف يشاء ، فإذا رغب الإنسان عن الله ظل أسير أنيته وجسده ، وكلاهما مدرج في العدم ، لأن الإنسان من العدم جاء ، وإليه يصير ، ما لم يدخله الله في رحمته ويدخله في عباده الصالحين من الرسل والأولياء أجمعين.
٥٩ ـ (وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩))
[القصص : ٥٩]
قوله سبحانه : (يَبْعَثَ فِي أُمِّها) يعني البعث الروحاني للنفس الجزئية ، والبعث يكون للأم باعتبار الأم النفس الكلية التي هي أم النفوس الجزئية ، ولما كانت النفس الكلية مرآة الله الجامعة خالدة مثله ، وإن كان العالم صورة لها ومجالا لفعلها ، فالنتيجة أن الله يبعث في هذه الأم رسولا هو الروح الأمين نفسه ، والأصل ، كما سبق أن فصلنا الكلام فيه في كتابنا الإنسان الكامل ، صدور الروح عن الله ، وصدور النفس الكلية عن الروح ، وسمينا هذا الصدور اشتقاقا ، وجعلنا النفس الكلية شقيقة الروح النور الأول.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
