وقوله سبحانه : (وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً) إشارة إلى قوة علم التوحيد الذي لا يبقي ولا يذر ، ولا يبقي إلا الله الواحد القهار ، له الملك في الدارين ، قال أبو إسحاق الصوفي : يا واحدي بالتحقيق ، يا جاري اللصيق ، أخذتني مني ولم تبقني علي ، فها أنا بلا أنا.
٣٨ ، ٣٩ ـ (وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩))
[القصص : ٣٨ ، ٣٩]
هامان إشارة إلى الفكر وقد تطاول بما صار في خزانته من المعقولات فاغتنى ، وقوله : (عَلَى الطِّينِ) إشارة إلى كل معقول مستخلص من محسوس والمحسوس طين أي مادة ، والصرح جلوس النفس على عرش المعقولات الحسية والمعنوية لترى ما إذا كان ثم إله ، والقضية عالجها كانط كاشفا عن أن الفكر متاهة ، وأن بالإمكان إثبات وجود الله بالأدلة المنطقية وإثبات عدم وجوده ، ورفض هو شخصيا الإتيان بأدلة على وجود الله.
والملاحظ في المحاورات الجارية بين المؤمنين والكافرين أن كلا منهم يستخدم فكره أي عقله ، ومع هذا لا يستطيع فريق أن يقنع الآخر ، وقال أرسلان الدمشقي : من يطلب الله بالعقل يضلل ، فالمعقولات من غير نور الإيمان ليست مؤهلة لكشف وجود الله ، ولهذه الحقيقة نكتة .. ذلك أن الله هو المسمي نفسه المضل الهادي ، جاعلا الهدى والضلالة من فعله هو ، فلو أن العقل استطاع الوصول إلى نتيجة حاسمة بصدد الوجود الإلهي لما وقع خلاف بين الناس ، ولآمنوا بالنظر الفكري والقياس المنطقي جميعا أو كفروا ، ولكنه سبحانه أراد أن يكون هو القاهر وهو المضل وهو الهادي ، وجعل الإيمان من فعله هو ، قال سبحانه : (مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً) [الكهف : ١٧].
٤٠ ـ (فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠))
[القصص : ٤٠]
قلنا اليم الهيولى المادية ، ونبذ فرعون وجنوده في اليم نتيجة لكونه من أتباع النفس الحيوانية المادية التي لا انفصال لها عن المادة ، فمن لا يتخلص من شباك نفسه المادية فهو مغرق في يم المادة صائر إلى العدم ، قال جلال الدين الرومي : ليس من جزاف القول ما قاله الكبراء إن أجسام الطاهرين تكون صافية كأرواحهم ، فأقوالهم ونفوسهم وصورهم جاءت كلها روحا مطلقا ، وروح عدوهم ليست إلا جسما ماديا صرفا ، فهي لا تعدو أن تكون اسما ، وقد دفن بالتراب جسم هذا العدو فصار كله ترابا ، وأما جسم الولي فقد دفن في الملح وصار كله طاهرا.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
