باليد البيضاء التي هي اليد النورانية التي وصفها الإمام الغزالي في الإحياء والتي هي ذاتية الوجود العياني نفسه ، وأشير إلى هذه الذاتية بقوله سبحانه : (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ،) أي أدخل يدك الظاهرة في جيبك أي في قميصك ، والقميص هو النور كما فسرناه في سورة يوسف ، والنتيجة ظهور النور الإلهي الذي أفاض السهروردي في وصفه في كتبه وخاصة في (حكمة الإشراق) حيث جعل الله نور الأنوار ، والروح النور الأول ، والإنسان النور العارض لوجوده في هيكله البدني بشكل عارض ، فما الإنسان إلا وعي عرضي مؤقت متى جاء لميقات ربه انكشف عن وجود النور الإلهي فيه ففني.
٣٣ ـ (قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣))
[القصص : ٣٣]
قتل النفس هو الفناء للأنا الجزئية الذي سبق الحديث عنه ، والصوفية تحدثوا عن هذا الفناء للإرادات والموجودات الجزئية كما قال التستري :
إعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح النفس ، وكما قال ابن سينا : العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات ، وكل علم مستغرق في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات ، وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع أن يتأبى عليها شيء من الممكنات.
٣٤ ـ (وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤))
[القصص : ٣٤]
هارون إشارة إلى الروح الكلي وقد صار اللسان الناطق ، والروح هو الناطق على ألسنة كل المخلوقات وأصولها وبخاصة الإنسان ، ومع هذا فهو لا يكشف نفسه إلا متى جاء الميقات وقامت قيامة الإنسان الصغرى فإذا الله ظاهر والإنسان فان ، وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
٣٥ ، ٣٧ ـ (قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧))
[القصص : ٣٥ ، ٣٧]
الإشارة إلى النبي المرسل برسالة ، والولي العارف المحقق وقد شد أزرهما بالروح الموحي ، وقال جلال الدين الرومي : كل من يتلقى من الله الوحي والجواب يكون كل ما يأمر به عين الصواب.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
