(انشقت اليهود عن إحدى وسبعين فرقة ، وانشقت النصارى عن اثنتين وسبعين فرقة وستنشق أمتي عن ثلاث وسبعين فرقة).
فالخلاف ضرورة وجودية ، ولو شاء الله ما اختلف بنو إسرائيل ولا النصارى ولا المسلمون ، ولكن الله شاء لهذه الأمم أن تختلف لتختلف المعقولات فتتقابل وتتناقض وتنشق وتنفلق فيخرج من شجرة المعقولات الزهر ثم الثمر ثم يجنى هذا الثمر.
٧٧ ـ (وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧))
[النمل : ٧٧]
كون القرآن هدى ورحمة فيه لطيفة ، فهو سبحانه القائل في موضع آخر : (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) [الإسراء : ٤٥ ، ٤٦] ، فالقرآن أصله نور ، وهو نور ، فمن كان في قلبه نور وإن كان مستورا كان القرآن له هدى وذلك بتحريك النور فيه ، وهذا ما حدث لعمر بن الخطاب الذي كان شديدا على المسلمين في البداية ، ولكنه كان طيب المعدن ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم أدرى به ولهذا دعا ربه : (اللهم أيد الإسلام بعمر أو أبي جهل) ، فأسلم عمر رضي الله عنه ، وكان له دوره العظيم في نصرة الإسلام وإرساء قواعده ، ومن هذا المنظور قال صلىاللهعليهوسلم : (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام).
٧٨ ـ (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨))
[النمل : ٧٨]
حكمه حكم الأسماء ، ولهذا رد الأمر إلى القضاء الذي هو أم الكتاب وكتاب المعادلات العلمية السابق على عكس القدر الذي هو بمثابة التكتيك العسكري قابل للإنفاذ والإبرام والتغيير والتبديل.
وحكم الأسماء ثابت ، وتنفيذه يكون عن طريق الربوبية ، ولهذا جاء الخطاب في الآية من الرب لا من الله أو من الحق ، إذ الربوبية مقام التنفيذ والفعل.
٧٩ ، ٨١ ـ (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١))
[النمل : ٧٩ ، ٨١]
الموتى هنا بمثابة المعنى البعيد للجهل ، فالجاهل ميت وإن كان حيا ، أصم لا يسمع الدعاء لأن على قلبه قفلا ، والخطاب إلى النبي الذي كان يحزن إذا ما ولى بعض الناس عنه مدبرين ، والعمي من على أبصارهم غشاوة ، والغشاوة قلبية تحول بين القلب والهدى ، والأمر منوط بالمشيئة المسبقة التي قضت بوجوب الجنة وأهلها والنار وأهلها.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
