منذ تفتق وعيه وحتى ساعة موته ، وخوف النملة من سليمان له نكتة بل قصة ، ذلك أن الإنسان الكامل يجمع البحرين ، بحر المطلق وبحر التعين ، ومع أن في كل إنسان هذين البحرين إلا أنه محجوب عن وعي وجودهما .. أما سليمان الذي علم منطق الطير فلقد علم كيف يجمع الإنسان بين التعين والإطلاق ، وقول النملة محذرة النمل سليمان يعني أن جانب المطلق من الذات يحطم جانب التعين ، لأن التعين جانب من جوانب المطلق ، وما التعين إلا إطلاق لا بشرط الإطلاق كما قال السهروردي ، ومن معاني النملة في اللغة أحد شقي حافر الدابة ، فإذا كانت الدابة هي الفكر لأن الفكر يحمل الإنسان ، فإن النملة تمثل شقا واحدا من شقي حافر الدابة ، أي أن حافر الدابة الكلية له الإطلاق والتعين كما أسلفنا الكلام ، وعليه فالفكر يكون كما قال جلال الدين الرومي : أيها المتعشق لعقله ، إعلم أن نور حسك قبس مستعار من نور العقل الكلي ، إنه ذهب أشرق فوق نحاسك.
فالفكر الإنساني مزيج من الإلهي والحسي ، ولو لا الفكر الإلهي ما مارس الفكر الحسي عمله ، ولو لا الفكر الحسي ما مارس الفكر الإلهي قواه وإمكاناته ، قال ابن عربي :
|
فالعين منه والنعت منا |
|
فنحن لا وهو ذو ظهور |
وأنشد أيضا قائلا :
|
فلولاه ولولانا |
|
لما كان الذي كانا |
|
فأعطاه ما يبدو |
|
به فينا وأعطانا |
|
فصار الأمر مقسوما |
|
بإياه وإيانا |
|
فأحياه الذي يدري |
|
بقلبي حين أحيانا |
وقال جلال الدين الرومي : خيالي مقيم في قلب السلطان ، ولكن قلب السلطان من غير خيالي سقيم.
١٩ ـ (فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩))
[النمل : ١٩]
النعمة الدخول في العباد الصالحين ، وفي قراءة الآية (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩)) قرئت أيضا فادخلي في عبدي ، والإشارة إلى مقام العبودة الصوفي الذي تكون الكثرة كلها فيه جسما كليا أي عبدا كليا لله يمتثل الأوامر الصادرة عن إشعاعات الواحد الأحد.
ووالدا سليمان إشارة إلى الروح والنفس ، وكنا قلنا إن الروح فاعل والنفس منفعلة ، ومنها ولد سليمان الهيكل المتعين ، فسليمان مثل دابة الأرض التي يخرجها الله لتكلم الناس.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
