الناس والله المعز ، وذاك ذليل والله المذل ، وأنشد الشافعي :
|
ما شئت كان وإن لم أشأ |
|
وما شئت إن لم تشأ لم يكن |
|
خلقت العباد على ما علمت |
|
ففي العلم يجري الفتى والمسن |
|
على ذا مننت وهذا خذلت |
|
وهذا أعنت وذا لم تعن |
|
فمنهم شقي ومنهم سعيد |
|
ومنهم قبيح ، ومنهم حسن |
٢٧ ـ (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧))
[آل عمران : ٢٧]
الليل الروح والنهار المادة ، ويجوز قلب الآية فيكون النهار هو الروح والليل عالم المادة نظرا لأن هذا العالم كثيف ، والإيلاج دخول الروح في المادة وفعله فيها ، فلا روح من غير مادة ، ولا مادة من غير روح ، وكلاهما يمثلان اسمي الله الظاهر والباطن ، فلا موجود سواه تنزه عن الحلول والكيف والاتصال والانفصال ، قال ابن عربي : العبد حق مشهود في خلق متوهم ، فالخلق معقول ، والحق محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود ، وما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول والخلق مشهود.
وإخراج الحي من الميت خروجه سبحانه من ميت الأحياء ، وهو ما يرمز إليه بالولادة الباطنة المعنوية لكونه سبحانه باطن كل حي ، فهو الحي الخارج من المادة الميتة من دونه ، وخروج الميت من الحي تشكل بنية المادة من الروح ، وقد ثبت هذا علميا بكون الوجود المادي قد انبثق من انفجار سديم قديم ، قال الجرجاني في تعريفاته : التأويل صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقا بالكتاب والسنة مثل قوله تعالى : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) [الأنعام : ٩٥] إن أراد إخراج الطير من البيض كان تفسيرا ، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر ، أو العالم من الجاهل كان تأويلا ، ويقول في المؤول ما ترجح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي ، لأنك متى تأملت موضع اللفظ وصرفت اللفظ عما يحتمله من الوجوه إلى شيء معين بنوع رأي فقد أولته إليه.
والرزق رزقان الرزق الروحاني وهو خاص بالأنبياء والورثة والعلماء ، وهو العلم الإلهي خص به سبحانه أكابر الناس ، والرزق الثاني الرزق المادي ، وهو موضوع لحكمة وصفها سبحانه قائلا : (نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا) [الزّخرف : ٣٢] ، فالحياة وعمارتها تقتضيان وجود رئيس ومرؤوس ، وكبير وصغير ، وغني وفقير.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
