السدان إشارة إلى تذبذب الإنسان بين شقي خاطريه خاطر الرحمن وخاطر الشيطان ، والإنسان كما قلنا جاهل مصدر هذا وذاك ... حتى إذا أراد الله بقوم خيرا كتب في قلوبهم كلمات الإيمان ، فضاء القلب بنور الهداية ، فميز الإنسان بين خاطر الملك وخاطر الشيطان ، وهذا ما ندعوه في الفلسفة الانشطار والتناقض والازدواجية ... ولا خلاص للإنسان من أسر هذا التناقض إلا بأن يكشف الله الغطاء عنه ، فيصير بصره حديدا ، ولقد سأل فريق المؤمنين الذين لم يبلغوا مقام اليقين ، سألوا ربهم أن يعينهم على الفكاك من أسر التناقض ، فأرسل إليهم ذا القرنين ، وذو القرنين هنا بمثابة جبريل الذي ظهر للنبي في الغار فغطه ثلاثا ، ثم قال له : إقرأ ، وكررها ثلاثا ، ثم تابع جبريل قائلا : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)) [العلق : ١] ، وهذا الاسم هو اسم الله الأعظم الذي يعلم الإنسان سر التوحيد ، وهو ما عرفه الخراز قائلا إنه سر التضاد ، وهذا السر ينجي الإنسان من نار التضاد والتناقض ، ويجعل تلك النار بردا وسلاما عليه كما حدث لإبراهيم ، فأنت ترى أن تسلسل الوقائع في سورة الكهف تمثل معراج الإنسان نفسه من أسفل سافلين إلى عليين ، وأن الأسماء الواردة في السورة كموسى والعبد الصالح وذي القرنين هي إشارات إلى مقامات كما قال عبد الكريم الجيلي في الخضر : خلقه الله من حقيقة ونفخت فيه من روحي فهو روح الله ، أو كما قالت الصوفية : القوم يطلقون اسم موسى في اصطلاحهم على العقل لمناسبة بينهما وهي تنظيم الملك وسياسته وتدبيره وتنظيم العلاقات مطلقا ، وهذه الأشياء هي فحوى الرسالات السماوية ومهمة الرسل أجمعين ، وهي عامة ، وهذه الأمور هي نفس مهمة العقل ولكن خاصة ، ولهذا فإنا نرمز على ظاهر الشرع بموسى ، ثم نستعير هذا الاسم للعقل للمناسبة التي ذكرناها ، وكذلك نرمز بالخضر على الروح لأنه كلما حل في مكان اخضر مكانه الذي حل فيه ، وليس يخفي أن الأرواح إذا قامت علاقاتها بالأبدان اخضرت الأبدان بالحياة وخواصها ، وكذلك نرمز على النفس الأمارة بالسوء بفرعون لعتوها وتمردها ، ومتى أطلق القوم عليهم رضوان الله تعالى عليهم هذه الألفاظ فإنما يطلقونها على سبيل الاستعارة لا غير.
وليس كما فهم الكثير أن موسى اسم للعقل أو العلم الظاهر ، وأن الخضر اسم للروح أو لعلم الباطن ، وأن فرعون اسم للنفس فهذا خطأ في الفهم وخطأ في الاعتقاد ، ولأن موسى شخص بعينه ، وكذلك الخضر وفرعون ، والقرآن يقص علينا ذلك ، والتأويل على هذا النحو باطل ومصادرة للحق والحقيقة معا.
٩٩ ، ١٠٠ ـ (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠))
[الكهف : ٩٩ ، ١٠٠]
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
