قوله سبحانه : (بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ،) إشارة إلى الحركة الوجودية الحياتية ، والناس دائما يموج بعضهم في بعض لأن نشاط الأسماء يقتضي هذه الحركة المشبهة بالموج.
أما الصور فهو تذكير بصاحب الأمر والفعل ، والصور القرن ، وهو ما ينفخ فيه ، وما يخرج منه موسيقى ، وقد تحدثنا في كتابنا الإنسان الكبير وفي فصول سابقة ولا حقة من هذا الكتاب عن دور الموسيقى في الوجود وحكمه ، وقلنا : إن الفيثاغوريين كانوا السباقين إلى اكتشاف دور الموسيقى وكونها روح الوجود وأم اللغات ، فهي اللغة الإلهية التي تخاطب الشعور والوجدان فينفعل بها النبات والحيوان والإنسان والطفل والأبله والمجنون والعاقل والجاهل والعالم ، فما في الكون إلا الموسيقى الإلهية وحكم هذه الموسيقى ، وما نشاط المشاعر والأحساسيس إلا بتأثير موسيقى داخلية تسمعها الأذن الداخلية للإنسان أي بصيرته وقلبه ، فالموسيقى الجمع وجمع الجمع كما ورد في الآية.
١٠١ ـ (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١))
[الكهف : ١٠١]
قوله سبحانه : (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ،) يعني أن أصحاب جهنم لا يستطيعون سماع إلهام التقوى وصوت الضمير لأنهم محرومون محجوبون ، وبينهم وبين سماع الضمير حاجز لا يطفر ... وإلا فكيف يفسر الإنسان ارتكاب المجرم جرائمه دون أن يبكته ضميره أو يعذبه أو توقد في قلبه نار الندم ليندم ويبدأ رحلة العودة؟
١٠٢ ، ١٠٣ ـ (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣))
[الكهف : ١٠٢ ، ١٠٣]
التشديد على ضرورة عدم اعتماد العالم الخارجي ومظاهره وصوره البشرية وغير البشرية أسسا للوجود وأسبابا مسببة وإغفال مسبب الأسباب.
١٠٤ ، ١٠٦ ـ (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦))
[الكهف : ١٠٤ ، ١٠٦]
ضلال السعي اعتماد العالم المحسوس بل والعالم المعقول وحدهما ، وهذا ما تفعله علماء الغرب اليوم ، فهم يسعون ويجهدون ويتعبون متتبعين قوانين السببية دون الإيمان بالخالق مبدأ للحياة وجوهرا فردا أول فاعلا وحده.
١٠٧ ، ١٠٨ ـ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨))
[الكهف : ١٠٧ ، ١٠٨]
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
