يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١))
[الكهف : ٨٠ ، ٨١]
قلنا : الغلام النفس الجزئية باعتبار ولادتها من النفس الكلية ، وأبواه الروح الفاعل والنفس المنفعلة ، وكلاهما مؤمن لأنهما صادران من الله وعنه إشعاعا دائما أزليا ، وقتل الغلام ضرورة خشية إرهاق الوالدين ، إذ جاء في الآية أن الغلام سيرهق أبويه طغيانا وكفرا.
فالنفس الجزئية بانفصالها الظاهري عن أبويها تمارس طغيان دعوى وجودها بذاتها وملكيتها لذاتها وهذا في حد ذاته عدوان على حقوق الأبوين وهو أيضا كفر أي حجاب ، لأن الأبوين لا يفارقان كما هو معلوم غلامهما ، والغلام صغير حدث ، والحقيقة أن النفس الجزئية لا تفارق أبويها قط ، وهي من دونهما مثل الطفل الصغير لا حول له ولا قوة ، والإنسان الذي يدعي القوة والمقدرة هو أعجز من رضيع في القماط لو رفع أبواه عنه أيديهما.
فالروح الأب يمده بالحياة ، والنفس الكلية الأم تمده بالفكر والغرائز والأحاسيس والانطباعات ، وتبديل الغلام دعوة المؤمن المهاجر إلى ربه أن يقتل نفسه معنويا كما سبق أن قلنا وذلك بحبسها أولا في الخلوة حتى يكشف الله الغمة أو يري المهاجر بصرا وبصيرة كيف أن نفسه لله وبالله وعن الله ، وأن الإنسان ليس له من الأمر شيء ، والتبديل ذاته رفع مستوى الإنسان صاحب النفس الجزئية إلى مستوى الكليات والإلهام الإلهي ثم التحلي بالصفات الإلهية.
٨٢ ـ (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢))
[الكهف : ٨٢]
الغلامان إشارة إلى العاقلتين النظرية والعملية ، وكلتاهما من نشاط الفكر ذاته الذي قلنا إنه يرتفع بالمدد الإلهي إلى مستوى الإلهيات ، وهذا الرفع هو المعراج النبوي الذي رقى بالنبي إلى أعلى عليين وقرب نجيا ، وما دام القلب الإنساني من عرش الله ، وما دام القلب قد وسع الله فإن أعلى عليين موجود أيضا في قلب الإنسان ، وهذا الحضور الإلهي في الكيان البشري هو الكنز الذي تحدث عنه العبد الصالح ، فالإنسان خلق ليكون خليفة ، وقد أهل مسبقا لبلوغ درجة الخلافة هذه التي ليست إلا عبادة الله بمعرفته ثم استخلاف الإنسان في الأرض ، وبلوغ الأشد سن بلوغ الكمال ، وكنا قد تحدثنا عن هذا الأمر من قبل ، فالإنسان قبل بلوغ الأشد طالب يتعلم في مدرسة الحياة ، حتى إذا استوفى حظه من التعلم انتقل إلى مرحلة استخراج الكنز ، ولهذا كانت حياة الإنسان ذات هدف وقصد ، والقصد التعلم من العالم الخارجي أولا ثم التعلم من العالم الباطني ثانيا ... والجدار هو العالم الخارجي المادي ، فالله ما خلق
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
