الإنسان عبثا ، والحياة ليست شؤما وسأما وفراغا وغثيانا كما يقول الوجوديون أمثال سارتر وكامو ... بل الحياة بناء متكامل يبدأ بالصعود من أسفل سافلين وهو الجهل والعيش في أسر الشهوات والغرائز ، وينتهي بالوصول رقيا وعروجا إلى الله الذي هو العقل والعاقل والمعقول كما تقول الصوفية ... وعليه فإن العقل يكون مادة خاما سماه الله في الحديث القدسي كنزا كما قال سبحانه : (كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني) ، وتبدأ مرحلة التعقل التي هي التفتيق ، فالإنسان يصبح عاقلا بالنظر حوله في ملكوت السموات والأرض ، وهذه المرحلة هي التي سميت في الفلسفة العاقلة العملية ، وسميت في الدين الشريعة والتشريع ، وإليها رمز بأحد الغلامين في الآية ، فالإنسان تميز عن الحيوان بعملية التعقل ذاتها ، وأنزل الله الشرائع تسديدا للقلب وتحقيقا للقصد من خلقه ، فالشريعة البداية إلى الحقيقة والمدخل ، ولا حقيقة من غير شريعة لأن من لا يرقى سلم الأخلاق لن يصل إلى الحقيقة ، وكل مذهب بني على غير أساس أخلاقي فاشل لأنه يفتقر إلى المقومات الأساسية لبناء الإنسان والحضارة الإنسانية ، لهذا تميزت الصوفية عن غيرها من المذاهب باعتمادها الشريعة أولا والمجاهدات ثانيا ، فالغلام هنا في طور التعلم ، والتعلم يفضي إلى تحقق المعقولات ، وتصاحب الشريعة غلام العقل الجزئي في رحلته هذه إلى أن تتم مرحلة تعلمه فينتقل إلى تعلم الحقيقة.
والحقيقة هي ما رمز إليها في الآية بالغلام الثاني ، وسميت في الفلسفة العاقلة النظرية ، وهنا تلتقي الفلاسفة ، المريدين المؤمنين من أبناء الشريعة ، فكل ينهل من هذا المورد ، والمورد كاف للجميع ... إلا أن الله خص خواصا من خلقه بنور يمكن من بلوغ الأشد لدى تعلم الحقيقة ، ولهذا امتدح ابن عربي الفلاسفة ، ولكنه قال فيهم أيضا : إنهم يخطئون ويصيبون وأكثر خطئهم في الإلهيات.
والإلهيات هي الكنز المدفون تحت الجدار ، وقال عنه ابن عباس : الكنز الذي كان تحت الجدار هو صحف مدفونة فيها علم ، والكنز لا يكشف إلا لأصحاب الكشف المصطفين ، فهاهنا ثمة درجة خاصة لأصحاب المعرفة الإلهية وسموا الإلهيين ، وهم يتميزون عن الفلاسفة بأنهم علموا الحقائق ذوقا وشربا وريا من عين اليقين التي كان العبد الصالح لسانها الناطق.
وقوله : (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ،) يعني أن العبد الصالح عبد مأمور وليس له من الأمر شيء كما قال سبحانه لنبيه في موضع آخر ، وسبق أن قلنا : إن العبد الصالح هو الروح الكلي وسمي الخضر ، وقال مجاهد : سمي الخضر لأنه أينما صلى اخضر حوله ، وعن ابن عباس : أن موسى سأل ربه هل في الأرض أحد أعلم مني؟ قال : نعم ، قال يا رب من هو؟ قال :
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
