الكامل» ، وقال ابن عربي فيه : لما دخلت على ابن رشد ، وهو قاضي قرطبة ، قام من مكانه إلي محبة وإعظاما ، فعانقني وقال : نعم؟ فقلت له : نعم ، فزاد فرحه بي لفهمي عنه ، ثم استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له : لا ، فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده ، وقال : كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي ، هل هو ما أعطاه النظر؟ قلت له : نعم ولا ، وبين نعم ولا تطير الأرواح ، فاصفر لونه ، وقعد ، وحوقل ، وعرف ما أشرت به إليه.
فابن رشد شارح أرسطو الأكبر كرس فكره ومنطقه لخدمة أرسطو وكانت لابن رشد مكانة عظيمة في الفلسفة امتدت عبر قرون ، وشملت أوربا حيث سميت فلسفته الرشدية ، ومع هذا فلقد رأينا كيف أسف الرجل على حاله بعد أن سمع من ابن عربي ما سمع ، وكان حاله مصداقا لقوله تعالى : (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) [الكهف : ٤٢].
فالفيلسوف ، وهو السوبرمان بين الناس ، قد أحاط بالمعقولات علما ، فهو عالم بها وأميرها ، وهي بين يديه وطوع بنانه ، ومع هذا فما ذا فعل ابن رشد بهذه المعقولات بعد أن أتم تجريدها؟ إنه لم يجد أمامه غير أرسطو فتبعه ، وكرس حياته لشرح فلسفته ، وأرسطو رغم طول باعه في الفلسفة ، وهو من هو ، أصاب وأخطأ وذلك لأنه ظل معتمدا فكره فقط ، والفيلسوف من غير نور الهداية يخطئ ويصيب ، وقال ابن عربي فيه : أكثر خطئه في الإلهيات ، وأرسطو قال بقدم العالم ، وإن الشمس تدور حول الأرض ، ثم أثبت العلم الحديث أن العالم المادي ليس قديما قدم الروح ، وأنه تشكل من انفجار سديم ذري ، وأن للأجرام عمرا ، وأن لها أجلا ، بل إن العلماء حسبوا عمر الأجرام وآجالها أيضا ، وهذا مطابق تماما لما قالته الصوفية الذين قالوا : إن حقيقة العالم نور ، وإنه بذاته ليس موجودا إلا كمظهر لهذا النور ، وهذا أثبته العلم الحديث القائل : إن العالم مؤلف من ذرات كهارب سالبة وموجبة ، أما نظرية دوران الشمس حول الأرض فلقد صارت الآن هزؤة ، في حين نجد في القرآن مثلا أنه سبحانه يقول : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠)) [النّازعات : ٣٠] ، أي بسطها ، ولاحظ قوله بعد ذلك أي بعد التكوين.
وأرسطو قال : إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات ، ففصل بين الله والعالم ، وجعل الله في واد والعالم في واد رغم أنه جعل الله مستشارا للعالم ومحركا له بالشوق ، في حين أن الأنبياء والصوفية جعلوا الله في العالم ومع الإنسان ، وقال صلىاللهعليهوسلم : (قلب المؤمن من عرش الله ، وقال أيضا القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء) ، وقال البسطامي : أدخلني مدخلا رأيت الخلق كلهم بين الإصبعين ، وكنا قد قرأنا قوله سبحانه : (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) وذلك في وصف الله ، أي في كونه ما أسمعه وما أبصره ، أي ما أعظم سمعه وبصره ، وابن
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
