تتراءى في التفاصيل الصغيرة القليلة التي تستطيع إدراكها عقولنا الضعيفة العاجزة ، وهو إيماني العاطفي العميق بوجود قدرة عاقلة مهيمنة تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام ، وقال ميلر : الإنسان لا يخلق شيئا من عنده وبنفسه ، كل شيء قد خلق من قبل ... كل شيء قد جرى التنبؤ به ، ومع هذا فهناك الحرية ، حرية أن تنشد مدائح الله وهي أسمى ما يستطيع الإنسان القيام به ، وهو حين يقوم بهذا يتخذ موضعه إلى جانب خالقه ، هذا الأمر هو حريته وخلاصه ، الله خلق الموسيقى ، والله يقود الأوركسترا ، ودور الإنسان أن يؤدي الموسيقى بجسده ، موسيقى سماوية ، وإلا فهي متنافرة النغمات ، وقال لا مارتين : يبحث الشعراء عن العبقرية في مكان بعيد ، بينما هي تكمن في القلب ، وإن بعض النغمات البسيطة إذا ما عزفت مصادفة بخشوع على هذه الآلة التي أبدع الخالق صنعها بنفسه ، فإنها تكفي لاستدرار عبرات جيل بكامله ، ولتصبح شاملة ، كالحب ، وذات تأثير كالحنان ، فالسمويضني ، والجمال يخدع ، ولكن ما يؤثر في الفؤاد وله وحده العصمة في الفن ، وقال ميلر عن الله : هذا الإله الذي هو قوة الإنسان ليس إلها مسيحيا ولا إلها وثنيا ، إنه إله يستطيع بلوغه كل جنس وطائفة وثقافة ، إله يمكن أن يوجد في كل مكان وفي كل زمان دون حاجة إلى الوساطة ... إنه الخلق نفسه ، وسيظل يوجد سواء آمن الإنسان به أو لم يؤمن ، وقالت مي زيادة : إذا كنت عبقريا كن سعيدا ، فقد تجلى فيك شعاع ألمعي من المقام الأسنى ، ورمقك الرحمن بنظرة انعكست صورتها على جبهتك فكرا ، وفي عينيك طلسما ، وفي صوتك سحرا ، والألفاظ التي هي عند الآخرين أصوات ونبرات ومقاطع ، صارت بين شفتيك وتحت لمسك نارا ونورا ، تلذع وتضيء ، وتحرق وتهنئ ، وتخجل وتكبر ، وتذل وتنشط ، وتوجع وتلطف ، وتسخط وتدهش ، وتقول للمعنى كن فيكون ، وقال صلىاللهعليهوسلم : (سألني ربي فلم أستطيع أن أجيبه فوضع يده بين كتفي بلا تكييف ولا تحديد فوجدت بردها ، فأورثني علم الأولين والآخرين ، وعلمني علوما شتى ، فعلم أخذ علي كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد سواي وعلم خيرني فيه).
٣٩ ، ٤٤ ـ (وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤))
[الكهف : ٣٩ ، ٤٤]
تذكر الآيات باللقاء الذي جرى بين ابن رشد وابن عربي والذي ذكرناه في كتابنا «الإنسان
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
