عربي يجعل قوى الإنسان آلات للحق وممتلكاته ونوافذ تطل على وجوده ... فكيف يجهل الله الجزئيات وهو الحفيظ القائم بالقسط ، العالم بكل نفس ما كسبت ، والقائل ما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ، والقائل وما تسقط من ورقة إلا يعلمها؟. بل كيف يجهل الله الجزئيات وهو القاهر فوق الإنسان والمخلوقات جميعا ، وهو مقدر المقادير والمتحكم في الأحداث ماضيا وحاضرا ومستقبلا؟ ...
هذا كله هو سبب رد ابن عربي على ابن رشد إذ قال : بين نعم ولا تطير الأرواح ، أي تفعل الأرواح فعلها ، والأرواح مدرجة في روح كلي عام هو روح الوجود بل هو الوجود ، وهذا ما عناه ابن عربي : بقوله : لا لابن رشد ، أما قوله : نعم فعني به قبوله نظرية أرسطو القائلة : إن الصورة لا تفارق المادة ، وإنها ليست موجودة في برزخ وحدها ، وإن النفس كما عرفها أرسطو هي كمال أول لجسم آلي طبيعي ، إذ أن النفس عين أي صورة ، فكما تكون العين تصاغ الصورة ، وطالما أن هذه العين آخذة عن العقل الفعال فهي كمال بالقوة ، صائرة إلى كمال بالفعل.
٤٥ ـ (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥))
[الكهف : ٤٥]
ماء السماء العلوم المرتقة المكنونة في النفس الهابطة إلى عالم العناصر للفتق والنشر ، وهذا معنى تتمة الآية : (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ،) أما قوله : (فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ) فيعني كما قلنا سابقا أن لا فائدة من المعقولات إن لم تدرج في أسماء إلهية يشرع الله في عرضها في صور في كشف المنام وكشف اليقظة حيث يفض خاتم هذه الأسماء ، وتفتح بوابة الغيب ، ويلج السالك من سم الخياط ليجد نفسه في الحضرة الإلهية العلمية ، حيث تبدأ مرحلة التعليم العالي والغيبي ، وحيث يصبح الإنسان عارفا بالله متألها.
٤٦ ـ (الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦))
[الكهف : ٤٦]
المال العلوم الحسية التطبيقية الأرضية ، والبنون ما يفترع من هذه العلوم من نظريات ومخترعات يبني بها الإنسان الأرض ، ويبسط سلطانه عليها ، ويسخر خيراتها لقضاء حوائجه ومآربه ... فهذه كلها هي زينة الحياة الدنيا ... أما الباقيات الصالحات فهي تشمل أفق ما فوق العقل المادي أي الغيبيات التي ظلت سدودها مضروبة في وجه الإنسان لا يستطيع لها طفرا ، ولا يظفر بعلم الغيب ... هذا العلم الذي يقول للإنسان من هو ، ومن أين جاء ، وإلى أين صائر ، وكيف يكون القضاء والقدر المسير للكون والإنسان علم الإنسان ذلك أم جهل ، ولهذا
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
