المثل المضروب في الآيات يشير إلى الفارق بين العالم الطبيعي الإنساني والعالم الإلهي الروحاني .. وكتابنا كله مثل كتاب الفتوحات لسلطان العارفين ، ومثل كتاب «تهافت الفلاسفة» لحجة الإسلام الإمام الغزالي ، يقوم على هذه التفرقة بين علم الإنسان الطبيعي المعتمد فكره ومنطقه وتحليله واستنتاجه ، كما كان حال أرسطو وأشياعه من المنطقيين ، وبين علم الإنسان الإلهي المعتمد القلب والأنوار المشعة في القلب ، وما علم الله الإنسان عن طريق إشراق الأنوار في القلب ... فالأول منطلقه من فكره ومن الطبيعة وتأمل نظامها وقوانينها ومظاهرها لا غير ، والثاني أخذ من هذه العلوم قدرا ولم ينس الله ، وذكر الله واتقاه ، فأدى به تقواه إلى أن جعل الله مخرجا من حيث لا يحتسب وهذا المخرج هو الرزق الباطني الذي تحدثنا عنه والذي يعلم الإنسان ما لم يعلم ، قال فريد الدين العطار : حين ينصرف وجهك عن كلا العالمين سيكون مقامك عرش ذي القرنين ، وقال القشيري : العلم اللدني هو الذي ينفتح في بيت القلب من غير سبب مألوف من الخارج ، وللقلب بابان باب إلى الخارج يأخذ العلم من الحواس وباب إلى الداخل يأخذ العلم بالإلهام ، فمثل القلب كمثل الحوض الذي يجري فيه أنهار خمسة فلا يخلو ماؤه عن كدرة ما دام يحصل ماؤه من الأنهار الخمسة بخلاف ما إذا خرج ماؤه من قعره حيث يكون ماؤه أصفى وأجلى ، فكذا القلب إذا حصل له العلم من طريق الحواس الخمسة الظاهرة لا يخلو عن كدرة وشك وشبهة بخلاف ما إذا ظهر من صميم القلب بطريق الفيض فإنه أصفى وأولى ، وفي مجال العلوم نقرأ كثيرا عن دور الإلهام في حياة العلماء وما يؤديه هذا الإلهام من خدمة للعلم ، قال ابن عربي : فله الإلهام فينا ولنا العمل بما ألهم ، وفي مجال الطب كان مكتشف البنسلين قد يئس من تجاربه المخبرية وارتحل لإجازة يستجم فيها ، وقد فتكت الأوبئة بالملايين في الحرب العالمية الأولى ، ثم عاد إلى مختبره ، فوجد أجزاء من الخبز التجريبي لم تتعفن ، فاكتشف البنسلين ، وكان الأمر في تقدير ذلك العالم مصادفة جيدة ، أما أرخميدس فلقد طفا جسده على الماء في المسبح فانتشل نفسه وصاح وجدتها وجدتها ، وكان قد فقد كل أمل في أن يحدد رياضيا قانون العلاقة الحسابية بين الكتلة والحجم ، وكنا قد أوردنا قول إينشتاين : بصيرتنا الدينية هي المنبع الوحيد لبصيرتنا العلمية ، وقال مالارميه : إنني لا أفكر على الإطلاق وإنما أفكاري هي التي تفكر لي ، وقال هيرمن هيسه : تبينت أن المدرسة والعلوم المدرسية شيء غير كاف ، ولكني كنت أنتظر المستقبل ، كنت أتوقع الفكر الصافي والعلم الأكيد الذي لا يرقى إليه الشك والذي هو علم الحق ، العلم الذي يفهم الإنسان به معنى اضطراب التاريخ وتناحر الأمم والسؤال الرهيب الذي يختلج به كل روح ، وقال أينشتاين : إن ديني هو إعجابي في تواضع بتلك الروح السامية التي لا حد لها ، تلك التي
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
