لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١))
[الكهف : ٣٠ ، ٣١]
الفريق الآخر هم المؤمنون الذين هم في الجنة ، ولقد تحدثنا عن الجنات وعددها ، والجنات الواردة في الآية هي جنة العلم لأنها وصفت بأن فيها أنهارا تجري من تحت أصحابها ، والماء بالنسبة للإنسان حياته ، وحياة الإنسان الحقيقية العلم عامة والعلم بالله خاصة ، فهؤلاء المقربون نجيا وإلهاما وتكليما وكشفا وذوقا يحلون أساور من ذهب ، أي أنهم صاروا هم من معدن الذهب الذي هو تاج المعادن وزينتها ، وذلك لأنهم صاروا علماء عارفين أولياء متقين ، متكئين على أرائك الصفات الإلهية ، لأن الكامل من كملت صفاته ، ولا يكمل الإنسان إلا بعد أن يسبغ ربه عليه من صفاته الذاتية ، وصفاته الذاتية ينبوع الخير والجمال والكمال ، وهذا ما وصف في الآية بأنه ثياب خضر ، والثوب الصفة ، والخضرة الحياة ، فالصفات التي يلبسها القلب العارف صفات حية خضراء ، وهي هي صفات الحق سبحانه نفسه ، ولهذا ذكر الإمام الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة أنه قرأ كتب الفلاسفة ، واستمع مناقشات علماء الكلام ، ورأى من حوله الخلاف بين الطوائف والفرق فحار ... فأين الحقيقة ، ومن أربابها؟. إلى أن عرف الصوفية وتصفح أخلاقهم فقال : علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا ، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به ، ولقد أفضى التصديق بالقوم بالغزالي إلى العلم فالذوق فالعرفان.
٣٢ ، ٣٨ ـ (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨))
[الكهف : ٣٢ ، ٣٨]
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
