فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢))
[الأعراف : ١٨٩ ، ١٩٢]
سبق أن أوردنا قوله تعالى في موضع سابق : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) [آل عمران : ٢٨] باعتبار النفس صورته تعالى كما جاء في الحديث ، فالنفس لطيفة إلهية مشرقة منه سبحانه ، وهي صورته ، وهي سبيل الوحدانية المحضة إلى التكثر ، ويشق من النفس زوجها ، فالنفس شطران شطر فاعل يسمى العقل الفعال أو الروح أو المطاع أو النور المحمدي أو الحقيقة المحمدية ، وشطر منفعل يسمى النفس الكلية ويسمى حواء القابلة المنفعلة السالبة ، ولهذا سميت أيضا رحما.
وباعتبار النفس صورة الله فلقد حملها الله صفاته وهي سبع الحياة والعلم والإدارة والقدرة والسمع والبصر والكلام ، والحياة الصفة الأولى وهي تجلي اسمه الحي ، واسمه هذا هو معجزة الوجود ، إذ ضرب الله مثلا لهذا الإعجاز قوله في موضع آخر : (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)) [الحجّ : ٧٣] ، والملاحظ إنه مهما بلغ الإنسان شأوا في مجال الاختراعات إلا أنه يبقى عاجزا عن أن يخلق ذبابة ، أو يصنع بعوضة ، وكل المخترعات التي اخترعها تصنع بمواد أولية وجودية كونية كالكهرباء والماء والوقود والمعادن.
والصفة الثانية هي العلم ، والعلم مركوز في النفس مكنون ، وسماه سبحانه الطي ، وسماه الرتق ، وسمى خروجه النشر والفتق ، ووجود المخلوقات جميعا هو تنفيذ خطة معينة لظهور الوجود الإلهي بكل شيء بدءا من الجماد ومرورا بالنبات والحيوان والإنسان ، ولقد شرف الله الإنسان بالعقل الذي هو فعل الله في الإنسان بالإنسان ، ويقوم الشطر الفاعل من النفس ، أي الروح ، بتفتيق يذور المعقولات الموجودة في تربة النفس ، وهو أمر اتفقت عليه الفلاسفة القدامى إذ قالوا إن العقل الفعال هو الذي يقوم بعملية تفليق المعقولات هذه ، فيستخلص من كل محسوس ، الذي هو صورة عيانية للمعقول ، هذا المعقول.
والصفة الثالثة الإرادة ، وهي توجيه القصد إلى نشر ما هو مطوي فالحكم على هذا الأساس له خطة معينة محدودة مرسومة منذ بدء الخليقة ، وهذه الخطة هي ما سميت القضاء والقدر والأجل والميقات في الأديان.
والصفة الرابعة القدرة ، وهي بث قوة التحريك في النفس بالنفس ، وعلى هذا فالنفس
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
