الواحد القاهر فوق عباده فالمعنى أنه لا خروج لأحد حتى ولا الكافرين والمنافقين وعبدة الأوثان على حكم القاهرية هذا.
والاستدراج يكون بالخاطر ، والخواطر وإن تعددت في القبضة ، والهدف منها شحن الدائرة الأسمائية كما سبق أن قلنا ، ويذكر هيغل في كتابه فلسفة التاريخ أن كل ما يقع من أحداث تاريخية على أيدي الناس إنما هو قصد للروح الكلي يحقق به قصده من هذا التحريك.
١٨٣ ـ (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣))
[الأعراف : ١٨٣]
الإملاء إعطاء كل ذي اسم حقه من مكنون الاسم ، وهذا هو معنى قوله تعالى في موضع آخر : (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [النّحل : ١١٨].
ويبين الفيلسوف الهولندي اسبينوزا كيف أن صاحب النظام الكوني هو الذي رتب وضع الأشياء في مواضعها بما في ذلك الناس ، وإن كل إنسان يمثل دوره المرسوم في هذا الوجود الطبيعي ، وأنه هو شخصيا قد وجد الراحة بعد أن أدرك هذه الحقيقة الوجودية الجامعة التي جعلت الإمام الغزالي من قبل ، والفيلسوف لا يبنتز من بعد يقولان : ليس في الإمكان أبدع مما كان.
١٨٤ ـ (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤))
[الأعراف : ١٨٤]
الجنة المس والجنون ، فالنبي لما جاء بالرسالة أدهش الناس ، وخاصة حين جعل يقول القرآن ، وقضية هذا الانقلاب في الشخصية ، أو لنقل التطور العقلي ، حيرت النقاد والدارسين ، فالإمام الغزالي ظل أستاذا للفقه في جوامع بغداد ، فإذا هو لما قارب الأربعين يهجر أهله وأصحابه ومجالس التدريس وبغداد ، ويرحل إلى دمشق ، ويتردد بين دمشق وبيت المقدس سنين حتى رجع إلى بغداد عارفا بالله ، وليضع من ثم مؤلفاته التوحيدية الخالدة ، وجلال الدين الرومي صاحب كتاب «المثنوي» الذي يعده الإيرانيون القرآن الثاني ، كان أيضا إماما وفقيها ومدرسا ، ثم حدث التحول لما دخل عليه ذات يوم بائع فخصه بقطعة حلوى من بين الحاضرين ، فلما انصرف تبعه الإمام ، وغاب سنوات ، ثم عاد لينطق بالأشعار الخالدة التي جعلت الرومي كشاعر صوفي يحتل ، مكانة لا نظير لها في زمانه.
ونجد النبي نفسه يعيش هذا التحول لما ظل حتى الأربعين من عمره إنسانا عاديا يتجر بمال زوجه ، ثم حبب إليه الاعتكاف في غار حراء حتى قالت قريش إن محمدا عشق ربه ، إلى أن نزل عليه الوحي وغطه ، وقال له : (اقْرَأْ ،) وكررها ثلاثة ... ثم خرج النبي صلىاللهعليهوسلم من الغار برسالته العظيمة التي يدين بها خمس سكان الأرض.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
