المتّقين (ووقاهم عذاب الجحيم)(١) فضلاً من ربّك ؛ ولأنّ الوقاية في الدنيا لتقدّمه على قوله : (وَلَقّاهُم) ، ومضمونه استقبالهم بالنظرة في الوصول إلى الآخرة ، ثمّ على (وجزاهم) ، والجزاء هو المكافأة في الآخرة ؛ فالوقاية قبل الاستقبال والجزاء ، مع قطع النظر عن الفاء ، ثمّ ورودها على (شرّ ذلك اليوم) دالّ على أنّ لا سيّئة لهم ، وإلاّ لعلّق عليها كما في وقاهم السيّئات(٢) ، فوقاهم الله سيّئات ما كسبوا.
وكتب العلاّمة الشيرواني قدسسره : إنّها دالّة على أنّ الله تعالى وقاهم من عقاب ذلك اليوم جميعاً ؛ لأنّ كلّ عقاب شرّ لا محالة ، وقد أنزل الله تعالى تلك الآية لتُتلى عليهم ، فقد أعلمهم الله بأنّهم محفوظون من العقاب آمنون يوم القيامة ، وهو غير جائز إلاّ مع عصمتهم من الذنوب ، ولا يحذروا المعاصي ؛ لأنّ من علم أنّ العذاب لا يصيبه فهو غير حاذر بل آمن ، ولا يحذر لوخالف الأمر وعصى ، وقد قال الله تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(٣) والمقصود من ذلك تحذير المخالفين وتهديدهم ، وإذا لم يكن العالم بالوقاية الآمن بالعذاب غير حاذر ، فهو خارج عن عموم اسم الموصول مخصّص عنه ، والتخصيص خلاف الأصل ، بخلاف ما لو قلنا أنّه معصوم من الذنوب ، فإنّه غيرداخل في عموم اسم الموصول حتّى يخرج ويلزم التخصيص ، فيجب القول بالعصمة حذراً عنه.
ثمّ قال : ووجه آخر ، وهو إنّ الإعلام بأنّ العقاب مرتفع لمن يتأتّى
__________________
(١) سورة الدخان ٤٤ : ٥٦.
(٢) اُنظر سورة غافر ٤٠ : ٤٥.
(٣) سورة النور ٢٤ : ٦٣.
![تراثنا ـ العددان [ ٩٧ و ٩٨ ] [ ج ٩٧ ] تراثنا ـ العددان [ 97 و 98 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4152_turathona-97-98%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)