ومع مرور الزمن شيئاً فشيئاً أخذت تزداد الضغوطات الناشئة من الآراء التعسّفية لسائر المذاهب ، وإنّ دعمهم من قبل الحكّام الموالين لهم في الرأي أخذ يزيد الخناق على الشيعة ، بحيث ذكر المؤرّخون أن عدّة نزاعات طائفيّة جرت في بغداد بين الشيعة والسنة وبالأخص في منطقة الكرخ ، حتّى أبعدوا الشيخ المفيد مرّتين في سنة ٣٩٢ هـ وسنة ٣٩٨ هـ(١)بزعمهم الباطل لتهدئة الأوضاع ، فقد كانت مصلحتهم في أن يترك بغداد نظراً إلى مقامه العلمي والاجتماعي في حين أنّ الشيخ المفيد لم يكن له أي دخل في تلك الاضطرابات ، وما زعمهم هذا إلاّ ذريعة لإبعاده(٢).
وبالرغم من التلاطم السياسي في العراق آنذاك إلاّ أنّ الشيخ المفيد كان قد بذل جهوداً كبيرةً لنشر المبادىء الشيعية الأصيلة مستفيداً من انتماء بعض حكّام العراق آنذاك إلى المذهب الشيعي ، فبالرغم من أنّ الشيعة فيما سلف وحتّى بعد عهد الشيخ المفيد كانوا في غربة موحشة إلاّ أنّ أفكاره وآراءه جعلتهم يتسلّحون بمنطق رصين وحجّة دامغة ، فبإجابته عن الشبهات التي أثارتها بعض الفئات بشتّى الاعتقادات لتضعيف معتقدات الشيعة فتح طريقاً للشيعة خطّ فيه مسيرتهم ليمضوا على طريقهم ويواصلوه بكلّ شجاعة وبقواعد اعتقاديّة قوية ، ذلك لأنّ بغداد في تلك الحقبة كانت عاصمة الإسلام بمعنى الكلمة ، لأنّها كانت مركزاً للصراعات الفكرية ، وكان لكلّ واحد من المذاهب أنصاره ومؤيّدوه ، وإنّ لأقوى تلك المذاهب
__________________
(١) تاريخ الإسلام أحداث سنة ٣٩٠ ـ ٤٠٠ ، ص ٢١٢.
(٢) انظر الفصل الأوّل من كتاب السيّد جعفر مرتضى العاملي باللغة الفارسية تحت عنوان (مبارزة براي آزادي بيان وعقيدة در عصر شيخ مفيد) لتزداد اطلاعاً على الظرف الزمني الذي عاشه الشيخ المفيد آنذاك.
![تراثنا ـ العددان [ ٩٧ و ٩٨ ] [ ج ٩٧ ] تراثنا ـ العددان [ 97 و 98 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4152_turathona-97-98%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)