اليهود تطلبه ، فأتى أحد الحواريّين وقال لليهود : ما تجعلون لمن يدلّكم على عيسى؟ فجعلوا له ثلاثين درهما ، فأخذها ودلّهم عليه ، فلمّا دخلوا البيت ورفع عيسى ، ألقى الله شبه عيسى على الّذي دلّهم عليه ؛ فقتلوه وصلبوه ، فروي أنّه لمّا أخذوه ليقتلوه قال لهم : أنا الّذي دللتكم عليه ، فلم يقبلوا منه ولم يلتفتوا إليه وصلبوه وهم يظنّونه عيسى).
قال أهل التواريخ : (حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة ، وولدت عيسى لمضيّ خمس وستّين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل ، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين ، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وعاشت أمّه بعد رفعه ستّ سنين) (١).
والمكر : هو السّعي بالفساد في ستر ومناجاة ، وأصله من قول العرب : مكر اللّيل وأمكر ؛ إذا أظلم. والمكر من المخلوقين : الخبّ والخديعة والغيلة ، وهو من الله استدراجه العباد ، قال الله تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)(٢) قال ابن عباس : (كلّما أحدثوا خطيئة تجدّدت لهم نعمة) (٣). وقال الزجّاج : (مكر الله مجازاتهم على مكرهم ، فسمّي الجزاء باسم الابتداء كقوله تعالى : (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)(٤) وقوله : (وَهُوَ خادِعُهُمْ)(٥)). وقال عمرو بن كلثوم :
|
ألا لا يجهلنّ أحد علينا |
|
فنجهل فوق جهل الجاهلينا |
وسأل رجل جنيدا : كيف رضي الله المكر لنفسه وقد عاب به غيره؟ قال : لا أدري ، ولكن أنشدني (٦) :
__________________
(١) ذكره ابن عادل الحنبلي في اللباب في علوم الكتاب : ج ٥ ص ٢٧٠.
(٢) الأعراف / ١٨٢.
(٣) ينظر : الجامع لأحكام القرآن : ج ٤ ص ٩٨.
(٤) البقرة / ١٥.
(٥) النساء / ١٤٢.
(٦) الأبيات لأبي نواس ، الحسن بن هانئ (١٤٦ ـ ١٩٨) من الهجرة. وفي الديوان :
|
ويسمج من سواك الشّيء عندي |
|
فتفعله فيحسن منك ذاكا |
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
