وقال الكلبيّ : (أراد بالمهد : الحجر). روي أنّهم لمّا قالوا لها : (يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا)(١) كلّمهم وهو في حجرها فقال : (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) الآية (٢) ، وكان يومئذ ابن أربعين يوما.
فإن قيل : الكلام في حال كونه في المهد يعجب الناس منه ، وأمّا الكلام في الكهولة فليس بعجب ، فكيف ذكره الله؟ قيل : في ذلك الكلام وفي الكهولة بشارة لمريم في أنّ عيسى يعيش إلى وقت الكهولة.
وقيل : تكلّم في المهد ببراءة أمّه ممّا رماها به اليهود ، وتكلّم بالكهولة بإبطال ما ادّعاه النصارى من كونه إلها ؛ لأنه كان طفلا ثم صار كهلا ، ومن يكون بهذه الصّفة لا يكون إلها.
والكهل في اللّغة : من جاوز حدّ الشّباب ولم يبلغ حدّ الشّيخوخة ، يقال : اكتهل النّبات إذا قوي واشتدّ. وقيل : الكهل : هو الذي يكون ابن أربع وثلاثين سنة.
وقوله عزوجل : (قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) ؛ أي ولم يصبني رجل بالنّكاح ولا بالسّفاح ، وكان هذا القول منها على جهة الاستعظام لقدرة الله تعالى ، لا على وجه الاستبعاد كما تقدّم ذكره.
قال الله تعالى : (قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ) ؛ أي يكون لك ولد من غير بشر. قوله تعالى : (إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)) ؛ أي إذا أراد أن يخلق ما يشاء وحكم بتكوين شيء فإنّما يقول له كن فيكون كما أراده الله تعالى. وهذا إخبار عن سرعة كون مراد الله عزوجل ؛ لأنه لا يكون في وهم العباد شيء أسرع من كن ، وإنّما ذكره بلفظ الأمر لأنه أدلّ على القدرة ، ونصب بعض القرّاء فيكون على جواب الأمر بالألف ، ورفعه الباقون على إضمار هو يكون.
قوله تعالى : (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) ؛ قرأ نافع ومجاهد والحسن وعاصم بالياء ؛ كقوله تعالى : (كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ)(٣). وقال المبرّد :
__________________
(١) مريم / ٢٧.
(٢) مريم / ٣٠ ، ٣١.
(٣) آل عمران / ٤٨.
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
