ومعنى الآية : ألم تر يا محمّد إلى الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بالقرآن وبالكتب التي أنزلت من قبلكم وهم المنافقون ، (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) ؛ وهو كعب بن الأشرف ، (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) ؛ بالطّاغوت ، (وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠)) ؛ عن الحقّ.
قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١)) ؛ قال ابن عبّاس : (اختصم الزّبير بن العوّام وثعلبة بن حاطب إلى النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في أمر بينهما ؛ فقضى للزّبير ؛ فخرجا من عنده ؛ فمرّا على المقداد فقال : لمن كان القضاء يا ثعلبة؟ فقال : قضى لابن عمّته ؛ ولوى شدقه ، ففطن يهوديّ كان مع المقداد فقال : قاتل الله هؤلاء ؛ يشهدون أنّه رسول الله ثمّ يتّهمونه في قضاء بينهم ، وأيم الله لقد أذنبنا في حياة موسى عليهالسلام فقال لنا : اقتلوا أنفسكم ؛ فقتلنا فبلغ قتالنا سبعين ألفا في طاعة الله حتّى رضي عنّا. فأنزل الله تعالى في شأن ثعلبة وليّه شدقه (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) أي هلمّوا إلى التّحاكم إلى أوامر الله في كتابه وإلى الرسول صلىاللهعليهوسلم ليحكم بينكم رأيت المنافقين يعرضون عن حكمك إعراضا (١).
قوله عزوجل : (فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) ؛ أي كيف يكون حالهم من ندم وجرأة إذا أصابتهم مصيبة بقتل عمر لصاحبهم وظهور نفاقهم بما فعلوه من ردّ حكم النبيّ صلىاللهعليهوسلم وليّ الشّدق ، (ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ) ؛ معتذرين ، (إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً) ؛ تسهيلا كيلا تشغلك خصومتنا ، (وَتَوْفِيقاً (٦٢)) ؛ بين الخصوم بالإلتماس ما يقارب التوسط دون الحمل على الإعراض عن الحكم.
__________________
(١) في لباب النقول في أسباب النزول : ص ٧٣ ؛ قال السيوطي : «أخرجه الطبراني في الكبير والحميدي في مسنده عن أم سلمة قالت : (خاصم الزبير رجلا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ...). وقال : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ) أنزلت في الزبير وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء».
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
