قوله عزوجل : (أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ) ؛ أي أبعدهم من رحمته ، ومن يبعده الله من رحمته ، (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢)).
قال تعالى : (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣)) ؛ أي ألهم نصيب ، والميم زائدة ، وهذا على وجه الإنكار ؛ أي ليس لهم من الملك شيء ، (فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) يعني محمّدا وأصحابه لا يعطونهم شيء من حسدهم وبخلهم وبغضهم ، ورفع قوله : (يُؤْتُونَ) لاعتراض (لا) بينه وبين (إذا) (١). وفي قراءة عبد الله : (فإذا لا يؤتوا) بالنصب ، ولم يعمل ب (لا) (٢). وقال بعضهم : معناه : أنّ اليهود
__________________
(١) متعلق كلامه دلالة (إذا) من قوله تعالى : فَإِذاً ، قال سيبويه : «(إذا) في أصل الأفعال بمنزلة (أظن) في عوامل الأسماء ، وتقريره : أن الظن إذا وقع أول الكلام نصب لا غير ؛ كقولك : أظن زيدا قائما ، وإن توسّط جاز إلغاؤه ، وإعماله تقول : زيد ظننت منطلق ، ومنطلقا. وإن تأخر ، ألغي.
والسبب في ذلك أن (ظنّ) وأخواتها نحو : (علم ، وحسب) ضعيفة في العمل لأنها لا تؤثر في مفعولاتها ، فإذا تقدمت دلّ تقدمها على شدة العناية فقوي على التأثير ، وإذا تأخرت دل على عدم العناية فلغى ، وإن توسّطت لا يكون في محل العناية من كل الوجوه ، ولا في محل الإهمال من كل الوجوه ، فلا جرم أوجب توسّطها الإعمال ، والإعمال في حال التوسط أحسن ، والإلغاء حال التأخر أحسن ، وإذا عرفت ذلك ، فنقول : (إذا) على هذا الترتيب ، فإن تقدمت نصبت الفعل ، وإن توسّطت أو تأخرت جاز الإلغاء». وهذا معنى قوله : (لا بينه وبين إذا) والله أعلم. ينظر : اللباب في علوم الكتاب : ج ٦ ص ٢٢٤ ـ ٢٢٥.
وفي الجامع لأحكام القرآن : ج ٥ ص ٢٥٠ ؛ قال القرطبي : «قال سيبويه : (إذا) في عوامل الأفعال بمنزلة (أظن) في عوامل الأسماء ، أي تلغى إذا لم يكن معتمدا عليها ، فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت ؛ كقولك : أنا أزورك ، فيقول مجيبا لك : إذا أكرمك ، نصب لأن الذي قبل (إذا) تام فوقعت ابتداء كلام. فإن وقعت متوسطة بين شيئين ، كقولك : زيد إذا يزورك ، ألغيت ؛ فإن دخل عليها فاء العطف أو واو العطف ، فيجوز فيها الإلغاء والإعمال ؛ أما الإعمال فلأن ما بعد الواو يستأنف على طريق عطف الجملة على الجملة ، فيجوز في غير القرآن : فإذا لا يؤتوا. وفي التنزيل : (وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ) وفي مصحف أبي : (فإذا لا يلبثوا). وأما الإلغاء فلأن ما بعد الواو لا يكون إلا بعد كلام يعطف عليه ، والناصب للفعل عند سيبويه (إذا) لمضارعتها (أن) ، وعند الخليل (أنّ) مضمرة بعد (إذا)».
(٢) لأن (لا) يتخطاها العامل ، ولأن (إذا) ألغيت عن العمل ، فكأنه قيل : فلا يؤتون الناس إذن. حيث إن (الفاء) للعطف والإنكار ، وهي متوجهة إلى مجموع المعطوفين ، و (إذا) إذا وقعت بعد الواو والفاء ، يجوز فيها الإلغاء والإعمال ، ولذلك قرئ على النصب (فإذا لا يؤتوا) وهذا يجوز في غير القرآن ، أما مع القرآن فلا ، لأنه مبني على الوقف.
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
