حتّى لقي بعض إخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب وأنّه دفنها في موضع كذا. وأخبر بقيّة إخوتها رجلا رجلا حتّى بلغ ذلك ملكهم. فسار الملك والناس فاستنزلوه فأقرّ لهم ، فأمر به فصلب. فلمّا رفع على خشبته ، تمثّل له الشيطان فقال له : أنا ألقيتك في هذا. فهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلّصك ممّا أنت فيه؟ فقال : نعم. فقال له : اسجد لي بسجدة واحدة. فقال : كيف أسجد وأنا على هذه الحالة؟ فقال : أكتفي منك بالإيماء. فسجد له فكفر بالله وقتل الرجل. فهو قوله : (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ). ضرب الله قصّة العابد لبني النضير حين اغترّوا بالمنافقين ثمّ تبرّؤوا منهم عند الشدّة وأسلموهم. وقيل : أراد : كمثل الشيطان يوم بدر ، دعا إلى حرب رسول الله ، فلمّا رأى الملائكة ، رجع القهقرى وقال : (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ). (١) وقيل : أراد بالشيطان الجنس [لا المعهود. فإنّ الشيطان] أبدا يدعو الإنسان إلى الكفر ثمّ يتبرّأ منه وقت الحاجة. وإنّما يقول الشيطان : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) يوم القيامة. (فَكانَ عاقِبَتَهُما) ؛ أي : الداعي والمدعوّ من الشيطان ومن أغواه من المنافقين واليهود. (خالِدَيْنِ فِيها) ؛ أي : معذّبين في النار. (٢)
قرئ : (عاقِبَتَهُما) و «خالدان» بالرفع. (٣)
[١٨] (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨))
ثمّ رجع إلى موعظة المؤمنين فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). (لِغَدٍ). يعني يوم القيامة. (وَاتَّقُوا اللهَ). إنّما كرّره لأنّ الأولى للتوبة عمّا مضى من الذنوب والثانية لاتّقاء المعاصي في المستقبل. وقيل : إنّه للتأكيد. (٤)
(لِغَدٍ). عبّر عن الآخرة بالغد. كأنّ الدنيا والآخرة نهاران ؛ يوم وغد. فإن قلت : ما معنى تنكير النفس والغد؟ قلت : أمّا تنكير النفس ، فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قدّمن
__________________
(١) الأنفال (٨) / ٤٨.
(٢) مجمع البيان ٩ / ٣٩٧ ـ ٣٩٨.
(٣) تفسير البيضاويّ ٢ / ٤٨٣.
(٤) مجمع البيان ٩ / ٣٩٨.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4135_uqud-almarjan-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
