بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤))
ثمّ أخبر سبحانه عن منكري البعث فقال : (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) ؛ أي : ليس الحياة إلّا حياتنا التي نحن فيها في دار الدنيا ولا يكون بعد الموت بعث. (نَمُوتُ وَنَحْيا) فيه أقوال. أحدها : انّ تقديره : نحيا ونموت. فقدّم وأخّر. والثاني : انّ معناه : نموت وتحيا أولادنا. والثالث : يموت بعضنا ويحيا بعضنا. كما قال : (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)(١) ؛ أي : ليقتل بعضكم بعضا. (إِلَّا الدَّهْرُ) ؛ أي : ما يميتنا إلّا مرور الزمان وطول العمر ، إنكارا منهم للصانع. (مِنْ عِلْمٍ) ؛ أي : ينسبون ذلك إلى الدهر بجهلهم. ولو علموا أنّ الذي يميتهم هو الله وأنّه قادر على إحيائهم ، لما نسبوا الفعل إلى الدهر. (إِلَّا يَظُنُّونَ) والأمر بخلافه. وعنه صلىاللهعليهوآله : لا تسبّوا الدهر. فإنّ الله هو الدهر. وتأويله أنّ الجاهليّة كانوا ينسبون البلايا النازلة بهم إلى الدهر وكانوا يسبّون الدهر فقال صلىاللهعليهوآله : إنّ فاعل هذه الأمور هو الله ، فلا تسبّوا فاعلها. وقيل : معناه : انّ الله مصرّف الدهر ومدبّره. والوجه الأوّل أحسن. فإنّ كلامهم مملوّ من ذلك. (٢)
(نَمُوتُ وَنَحْيا) ؛ أي : نكون أمواتا نطفة وما قبلها ونحيا بعد ذلك. ويحتمل أنّهم أرادوا التناسخ. فإنّه عقيدة أكثر عبدة الأوثان. (وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ). يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلّق بها على الاستقلال أو إنكار البعث أو كليهما. (إِلَّا يَظُنُّونَ) بناء على التقليد والإنكار لما لم يحسّوا به. (٣)
ثمّ عطف على الدهريّة الذين قالوا : لا نحيا بعد الموت فقال : (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا). هذا مقدّم ومؤخّر. لأنّ الدهريّة لم يقرّوا بالبعث بعد الموت وإنّما قالوا : نحيا ونموت. (إِلَّا يَظُنُّونَ). فهذا ظنّ شكّ. ونزلت هذه الآية في الدهريّة وجرت في الذين فعلوا ما فعلوا بعد رسول الله بأمير المؤمنين وإنّما كان إيمانهم إقرارا بلا تصديق خوفا من السيف ورغبة في المال. (٤)
__________________
(١) البقرة (٢) / ٥٤.
(٢) مجمع البيان ٩ / ١١٨.
(٣) تفسير البيضاويّ ٢ / ٣٨٩.
(٤) تفسير القمّيّ ٢ / ٢٩٤.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4134_uqud-almarjan-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
