المعاصي. فإن قلت : كيف اتّصل قوله : (إِنَّما تُنْذِرُ) بما قبله؟ قلت : لمّا غضب عليهم في قوله : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أتبعه الإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها. (١)
ثمّ أخبر عن عدله فقال : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ) ؛ أي : لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى بأن يؤاخذ أحد بذنب غيره. (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ) ؛ أي : إن تدع مثقلة بالآثام غيرها إلى أن تحمل عنها شيئا من إثمها ، لا تحمل منه شيء. ولو كان المدعوّ إلى التحمّل ذا قرابة ، ما حمل عنها شيئا. (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ). (٢) قال ابن عبّاس : يقول الأب والأمّ : يا بنيّ احمل عنّي. فيقول : حسبي ما عليّ. (بِالْغَيْبِ) ؛ أي : [و] هم غائبون عن الآخرة. وهذا كقوله : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها). (٣) والمعنى : انّ إنذارك لا ينفع إلّا الذين يخشون ربّهم. فكأنّك تنذرهم دون غيرهم ممّن لا ينفعهم الإنذار. وقيل : الذين يخشون ربّهم في خلواتهم عن الخلق. (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) ؛ أي : أداموها وقاموا بشرائطها. وإنّما عطف الماضي بالمستقبل إشعارا باختلاف المعنى. لأنّ الخشية لازمة في كلّ [وقت] والصلاة لها أوقات مخصوصة. (وَمَنْ تَزَكَّى) ؛ أي : قام بما يجب عليه من الزكاة وغيرها من الواجبات ـ وقيل : ـ تطهّر من الآثام ـ فلا يصل جزاؤه إلّا إليه. (٤)
(مُثْقَلَةٌ) ؛ أي : نفس أثقلها الأوزار. (إِلى حِمْلِها) : تحمّل بعض أوزارها. (لا يُحْمَلْ) ؛ أي : لم يجب لحمل شيء منه. نفى أن يحمل عنها ذنبها كما نفى أن يحمل [ذنب] غيرها. (٥)
[١٩] (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩))
(وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ). عن ابن عبّاس قال : الأعمى أبو جهل. والبصير أمير المؤمنين. (٦)
(الْأَعْمى). أي عن طريق الحقّ. (وَالْبَصِيرُ) : الذي اهتدى إليه. وقيل : المشرك و
__________________
(١) الكشّاف ٣ / ٦٠٦ ـ ٦٠٧.
(٢) المدّثّر (٧٤) / ٣٨.
(٣) النازعات (٧٩) / ٤٥.
(٤) مجمع البيان ٨ / ٦٣٣.
(٥) تفسير البيضاويّ ٢ / ٢٧١.
(٦) تأويل الآيات ٢ / ٤٨٠.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4134_uqud-almarjan-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
