[٣١] (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١))
(وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ). أعاد سبحانه هذه القصّة وكرّرها في السور تقريرا للحجّة على أهل الكتاب واستمالة لهم إلى الحقّ. ومن أحبّ شيئا ، أحبّ ذكره. والقوم كانوا يدّعون محبّة موسى. على أنّ كلّ موضع من مواضع التكرار لا يخلو من زيادة فائدة. (كَأَنَّها جَانٌّ) في سرعة حركتها وشدّة اهتزازها. (وَلَمْ يُعَقِّبْ) ؛ أي : لم يرجع إلى ذلك الموضع. فنودي : (يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) من ضررها. (١)
فإن قلت : ما تقولون في قوله تعالى : (فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ)(٢) ؛ أي : حيّة عظيمة ، وقوله : (كَأَنَّها جَانٌّ) وهي الصغيرة من الحيّات؟ فما هذا التناقض؟ والجواب : انّ الحالتين مختلفتان. فحالة كونها كالجانّ كانت في ابتداء النبوّة وقبل مصير موسى إلى فرعون ، وحالة كونه ثعبانا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة. والتلاوة تدلّ على ذلك. وذكر المفسّرون فيه وجهين. أحدهما : انّه تعالى شبّهها بالثعبان لعظم خلقها وكبر جسمها وبالجانّ لسرعة حركتها ، فاجتمع لها عظم الجثّة وسرعة الحركة. والآخر : انّه لم يرد بذلك الجانّ الحيّة وإنّما المراد أحد الجانّ. فكأنّه تعالى أخبر بأنّها صارت ثعبانا في الخلقة وعظم الجسم وكانت كأحد الجانّ مع ذلك في هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها. ويمكن للآية تأويل آخر ، وهو أنّ العصا لمّا انقلبت حيّة ، صارت أوّلا بصفة الجانّ وعلى صورته ، ثمّ صارت بصفة الثعبان على التدريج ولم تصر بذلك ضربة واحدة. (٣)
[٣٢] (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢))
(اسْلُكْ يَدَكَ) ؛ أي : أدخلها. (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) ؛ أي : من غير برص. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ
__________________
(١) مجمع البيان ٧ / ٣٩٣.
(٢) الأعراف (٧) / ١٠٧.
(٣) بحار الأنوار ١٣ / ٤٣.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
