تكامل ؛ وادّارك : تتابع واستحكم. وهو على وجهين. أحدهما : انّ سبب استحكام العلم وتكامله بأنّ القيامة كائنة لا ريب فيها حاصلة [لهم] ومكنوا [من] معرفته وهم شاكّون جاهلون. وذلك قوله : (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ). يريد المشركين ممّن في السموات والأرضين ، لأنّهم لمّا كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع. وحاصل المعنى أنّه لمّا ذكر أنّ العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون بالبعث الكائن ووقته الذي يكون فيه وكان هذا وصفا لقصور علمهم ، وصل به أنّ عندهم عجزا أبلغ منه وهو أنّهم يقولون للكائن الذي لا بدّ أن يكون ـ وهو وقت جزاء أعمالهم ـ لا يكون ، مع أنّ عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به. والوجه الثاني : انّ وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكّم بهم كما تقول لأجهل الناس : ما أعلمك! على سبيل الهزء. وذلك حيث شكّوا وعموا عن إثباته الذي الطريق إليه مسلوك فضلا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته. وفي أدرك وادّارك وجه آخر ، وهو أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفني ، من قولك : أدركت الثمرة ، لأنّ تلك غايتها التي عندها تعدم. وقد فسّره الحسن باضمحلّ علمهم. وتدارك ، من تدارك بنو فلان ، إذا تتابعوا في الهلاك. فإن قلت : هذه الإضرابات الثلاث ما معناها؟ قلت : ما هي إلّا تنزيل لأحوالهم ووصفهم أوّلا بأنّهم لا يشعرون وقت البعث ، ثمّ بأنّهم لا يعلمون أنّ القيامة كائنة ، ثمّ بأنّهم يخبطون في شكّ ومرية فلا يزيلونه والإزالة مستطاعة ، ثمّ بما هو أسوأ حالا وهو العمى وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همّه على بطنه وفرجه لا يخطر بباله حقّا ولا باطلا. وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه ، فلذلك عدّاه بمن دون عن. لأنّ الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبّرون ولا يتبصّرون. (١)
(بَلِ ادَّارَكَ). لمّا أخبر سبحانه عن الكفّار أنّهم لا يشعرون متى يبعثون وأنّهم شاكّون ، عقّبه بأنّهم يعلمون حقيقة ذلك يوم القيامة فقال : (بَلِ ادَّارَكَ) ؛ أي : تتابع منهم العلم وتلاحقوا حتّى كمل علمهم في الآخرة بما أخبروا به في الدنيا. فالماضي بمعنى الاستقبال. (بَلِ
__________________
(١) الكشّاف ٣ / ٣٧٩ ـ ٣٨٠.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
