حتّى وجد عنده الزبانية تنقله إلى النار ولا تسقيه الماء. وشبّهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وخالية من نور الحقّ بظلمات متراكمة من لجّ البحر والأمواج والسحاب. ثمّ قال : ومن لم يولّه نور توفيقه وعصمته ولطفه ، فهو في ظلمة الباطل لا نور له. وهذا الكلام يجري مجرى الكنايات. لأنّ الألطاف إنّما تردف الإيمان والعمل أو كونهما مترقّبين. ألا ترى إلى قوله : (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا)(١) ـ الآية. (٢)
(سَحابٌ ظُلُماتٌ). قرأابن كثير : «سحاب» بغير تنوين «ظلمات» بالجرّ [فأضاف السحاب إلى الظلمات لاستقلال السحاب وارتفاعه في وقت كون هذه الظلمات كما تقول : سحاب (٣)] رحمة ، إذا ارتفع وقت الرحمة. (٤)
[٤١] (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١))
(أَلَمْ تَرَ) ؛ أي : ألم تعلم من طريق الوحي والاستدلال. (٥)
(يُسَبِّحُ لَهُ) ؛ أي : ينزّهه عمّا لا يليق به أهل السموات وأهل الأرض بألسنتهم. وقيل :
عنى به العقلاء وغيرهم وكنى عن الجميع بلفظ من تغليبا للعقلاء. (وَالطَّيْرُ) ؛ أي : ويسبّح له الطير حال كونها واقفات في الجوّ مصطفّات الأجنحة في الهوى. وتسبيحها ما يرى عليها من آثار الحدوث. (كُلٌّ) ؛ أي : كلّ واحد ممّا ذكر أو من الطير (قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) ؛ أي : قد علم الله دعاءه وتنزيهه اختيارا أو طبعا ؛ لقوله : (وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ). أو : علم كلّ ، على تشبيه حاله في الدلالة على الحقّ والميل إلى النفع على وجه يخصّه بحال من علم ذلك. مع أنّه لا يبعد أن يلهم الله الطير دعاء وتسبيحا كما ألهمها علوما دقيقة في أسباب
__________________
(١) العنكبوت (٢٩) / ٦٩.
(٢) الكشّاف ٣ / ٢٤٤.
(٣) يوجد في النسخة بدل ما بين المعقوفتين سطران ممحوّ بعض كلماتها بحيث لم نتمكّن من إخراجه وتصحيحه فحذفناها.
(٤) مجمع البيان ٧ / ٢٢٩.
(٥) تفسير البيضاويّ ٢ / ١٢٧.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
